مع الناس:بقلم-عبدالحميد أحمد

إنتقل الشيخ ياسين من الاقامة الجبرية تحت الحكم الاسرائيلي إلى الاقامة الجبرية تحت السلطة الفلسطينية, وفي هذا من التطور السياسي ما يكفي للتدليل على أن هناك حكما فلسطينيا يمارس دوره على مواطنيه , فيسجنهم ويعتقلهم ويحاكمهم ويرميهم بالرصاص اعداماً أو يطلق سراحهم ويحافظ على الأمن والسلامة العامة والممتلكات ويحميها من التلف والانتهاك وغير ذلك مما تقوم به الحكومات عادة. غير ان الحكومات لا تعمل كشرطة وحرس فقط, فهي عليها قبل ان تتحول الى شرطة وأمن وسجون ومعتقلات ان تفتح المدارس أيضا والمستشفيات لكي يتعلم فيها الناس ويتعالجون من الامراض, وعليها ان تجد الوظائف والاعمال لهؤلاء وان توفر لهم الضمان الاجتماعي وان تقيم المصانع والمزارع والمشروعات التي تدر على البلاد مداخيلها السنوية, وان تحمي هذه المنجزات بجيش يقطع ذراع من يمد يده الى حدودها بالعبث, فنعرف ان مثل هذه الحكومة في يدها ميزان العدالة. وبما ان السلطة الفلسطينية مشروع حكومة عربية, لا حكومة غربية, فإنه من العيب عليها الخروج على الاجماع العربي في هذا الشأن, حيث السجن يسبق المدرسة, والمعتقل قبل المستوصف, والبندقية قبل المخبز, والشرطي قبل الطبيب, ورجال الدوريات قبل الشوارع المرصوفة واشارات المرور, والعصا قبل الجزرة, ما يفسر قبولها حتى قبل قيام الدولة الكاملة في جامعة الدول العربية, وعدم قبولها كعضو كامل في الامم المتحدة حتى الآن, فهي تلبي شروط العضوية في الاولى ولا تلبيها بعد في الثانية. وهكذا عرفنا السلطة منذ قيامها في الاراضي المحتلة, إثر اتفاقيات أوسلو, إما لأنها في اثر الدول العربية وتحذو حذوها على طريقة من شابه أخاه فما ظلم, فتحافظ على المنجزات العربية وتضيف اليها من عندها المزيد من الابداع في المعتقلات وملاحقة الناس, وإما لأنها مكره أخاك لا بطل, حيث المطلوب منها حسب الاتفاقيات أن تضبط ما يسمى بالامن في اراضيها حسب المزاعم الاسرائيلية, لكي تثبت جدارتها بالسلام في نظر اسرائيل وأمريكا معا. وبما أن اتفاق واي بلانتيشن الجديد أكد ثبات الأمن للاسرائيليين وحدهم, ويحول السلطة أكثر فأكثر الى كلب حراسة لا أكثر, فان سرعة الاعتقالات ووضع قيادات فلسطينية رهن الحجز والاقامات الجبرية, لا يعني تأكيد السلطة لنواياها الحسنة تجاه الاسرائيليين والامريكيين وتأكيد ثقتهم فيها وبامكانية قيامها بالمطلوب منها من دور, وانما يعني اكثر استعدادها للمضي قدما في خدمة اسرائيل وارضاء شروطها الى أبعد مدى, وإلا فكيف نفسر حملة الاعتقالات, وان كانت هذه ضمن شروط واي بلانتيشن, مادام الاتفاق نفسه لم ينفذ بعد؟ طبعاً بعد هذه الاعتقالات وبعد اثبات السلطة حسن نواياها واستعدادها لحفظ الأمن وقدرتها على ضبط الأمور في أراضيها يتمنى المراقب ان يسارع نتانياهو بدوره فينفذ بعد ايام الانسحاب من الاراضي بالنسبة التي وعد بها وتضمنها الاتفاق, فلا تكون اعتقالات السلطة لمواطنيها ثمنا لسراب, ولا تكون السلطة نفسها مجرد شرطي حراسة يستخدم عند اللزوم وغير اللزوم على السواء. ونفهم بطبيعة الحال وحسب الاتفاق الذي كان في معظمه أمنياً, ان الهدف البعيد والنهائي للاعتقالات وغيرها من الاجراءات المتوقعة لاحقاً ضد المعارضين للاتفاقيات ممن تصفهم اسرائيل بالارهابيين, هو تفكيك بنية هذه المعارضة وصولا الى تصفية وجودها الفعلي, حيث تعتقد اسرائيل ان في ذلك يكمن أمنها, فيما المفارقة تبقى في ان السلطة تقوم باعتقالاتها تلك في الوقت الذي يكثف نتانياهو أمنه الشخصي وحرسه الخاص بعد واي بلانتيشن, لا لحماية نفسه من الفلسطينيين الارهابيين, فهؤلاء لا مجال أمامهم للوصول إليه, بل لحماية نفسه من الارهابيين الاسرائيليين, الذين للأسف, لم تتضمن الاتفاقيات اعتقالهم وتصفية وجودهم, حتى وهم يمارسون الارهاب, لا ضد الفلسطينيين وحدهم, بل ضد قادتهم أيضاً, فنفهم من مثل هذه المفارقة معنى ان يكون الخصم قاضياً, فمن يا ترى تقاضي؟

تعليقات

تعليقات