EMTC

كلينتون: بين ردود الفعل وبين مواجهة الاصعب:بقلم- د. شفيق ناظم الغبرا

بالنسبة للعرب فان ما وقع للرئيس كلينتون (مؤامرة لتمرير مشاريع الاستيطان اليهودية, اما بالنسبة لاسلاميينا فان ما حصل مع الرئيس (تأكيد على اضمحلال الحضارة الامريكية وسقوطها في وحل الاباحية , وقد يقول الكثير من ليبراليينا بان ما يحصل مع الرئيس كلينتون هو (انحراف امريكي نحو اليمين) , اما في بغداد فما حصل حتى الآن (مؤامرة لابعاد الانظار عن العقوبات المستمرة على العراق) , اما الاسرائيليون فلسان حالهم ان الحرب على كلينتون نتيجة علاقته مع فتاة يهودية هي (مؤامرة لاسامية لاثارة العداء ضد اليهود) , اما بالنسبة للفرنسيين فما حصل هو (مؤامرة كبرى على الحريات الشخصية التي يتذوقها الفرنسيون) , ويبقى لسان حال السود الامريكيون بأن هذه مؤامرة) لاضعاف رئيس يدعم حقوقهم ويتمتع بدعمهم) اما الرئيس الروسي يلتسين فلسان حاله (لا احد احسن من احد) فهو يواجه مؤامرة الاقتصاد وكلينتون يواجه مؤامرة الجنس وكلاهما يتمسك بالبقاء رغم كل التحديات. ان بعض المراقبين يعتبرون ان ما يحصل حتى الآن غريب كل الغرابة عن تقاليد امريكا التي تؤمن بالحرية الشخصية, وهناك من يعتبر ان ما يحصل حتى الآن تعبير طبيعي عن تقاليد التيار المحافظ في الولايات المتحدة وتعبير عن قوة الديمقراطية التي تؤكد بان الرئيس ليس فوق القانون والنظام. بين هذا الرأي وذاك تختبىء الحقيقة وتختبىء القصة الحقيقية وراء ورطة الرئيس كلينتون. ولكن كيف يمكن ان نفهم ما يحصل حتى الآن؟ بداية لابد من التأكيد على امر يميز الرئيس كلينتون, فهو رئيس منظم, واداري بارع اثبت نفسه في اعادة بناء وترتيب بيت الحزب الديمقراطي, وهو رجل نجح في هزيمة واحد من ابرع المنافسين (الرئيس السابق بوش) ونجح في الانتخابات مرة ثانية, وفي عهده تحسن الاداء الاقتصادي بشكل متميز, هذا هو السبب الرئيسي وراء صعود كلينتون ووراء مقدرته على تحمل الكثير من الضربات والهزائم وتحمل العديد من الفضائح قبل ان يعود ثانية لاثبات ذاته. ولكن الاداري الناجح والسياسي الناجح كلينتون لم يهيىء نفسه فلسفيا بما يتناسب والرياح التي تهب على امريكا هذه الايام. فبينما يشكل نجاح كلينتون نجاحا في ادارة الاقتصاد وادارة البلاد الا ان الأمريكيين قد تحولوا في العقد الاخير نحو مزيد من المحافظة, وتحولوا الى مزيد من التركيز على تقاليد العائلة وتقاليد الاخلاص والصدق وعدم الكذب والصراحة. في هذا هناك تغير نحو المحافظة في امريكا بما يتناقض مع الاجواء التي سادت الستينات, الكونجرس الامريكي يعبر في أغلبيته الجمهورية عن قوة التيار المحافظ, وهو لذلك يخوض مواجهة كبيرة حول فلسفة الولايات المتحدة وحول اتجاهات العمل فيها. اما كلينتون فهو اول رئيس امريكي من جيل ولد بعد الحرب العالمية الثانية واخذ فلسفته السياسية والاخلاقية في زمن الهيبيز والاحتجاج على حرب فيتنام والمناداة بالحرية الكاملة, فيما يحصل اليوم ضربة في الصميم لافكار وتقاليد هذا الجيل وهذه العقلية.. ولكن ما هو الجديد في كل هذا الوضع الصعب, ان الجديد ان مسألة الشخصية ودور الشخصية التي يتمتع بها السياسي والقيادي لا تقل أهمية عن الخبرة والذكاء والقدرات الادارية ان عنصر الشخصية بما يتضمن من قيم اخلاقية وقيم احترام للذات وسعي لضرب المثل والقدوة في ظل المقدرة على اثارة روح التطوع والعمل والعطاء لدى الآخرين اساسية لكل قيادي في كل موقع. في هذا الجانب وقع الفشل الاكبر, اذ غاب النموذج الايجابي الشخصي عن الرئيس مما فتح المجال لكل التحقيقات التي لاحقت الرئيس منذ بدء رئاسته منذ ست سنوات اما الجديد الثاني فهو ان الكونجرس خط طريقاً جديداً في تقريره وضع كل المعلومات في الاطار العلني, وان كل شيء نشر كما هو في كل وسائل الاعلام والانترنت, في هذا التوجه سياسة انفتاح حول كل جانب من جوانب التحقيق. فبينما في فضيحة الوترجيت الشهيرة بقيت الكثير من المعلومات سرية نجد هنا وضعا مختلفاً. ولكن الاهم في كل ما حصل انه تحول لدرس للسياسيين الامريكيين وربما للسياسيين والقياديين في اماكن اخرى في العالم, اذ سيشعرون بخطر السلوك وبخطورة سوء التقدير الشخصي او المالي او حتى سوء التصرف الذي يخلط الموقع والدور القيادي بالامور الخاصة واستغلالها, هذا يعني اننا سوف نرى حالة امريكية جديدة فيها المزيد من الاحترام للرأي العام ومزيد من التقدير للقوانين والمؤسسات والقيم الشخصية القيادية والاخلاقية التي يجب ان تليق بموقع المسؤولية والقيادة. الرئيس الامريكي القادم يجب ان يتمتع بكل هذا وان يكون شديد الحساسية لكل المسائل التي تسىء لسمعته. في كل هذا ما زال كلينتون متمسكاً بموقفه, ان الرئيس ما زال في حلبة المواجهة, وهو يسعى للبقاء في المكتب البيضاوي متجاوزاً فكرة الاستقالة التي ينادي بها المزيد من الامريكيين, اذ نادت حتى اليوم اكثر من 160 صحيفة باستقالة الرئيس. ان الفصول النهائية لهذا المسلسل لم تكتب بعد, فهناك فصول اخرى, بل تشير الاتجاهات الى امكانية بدء الكونجرس بتحقيق هدفه خلع الرئيس, وهذا بحد ذاته سوف يفتح بابا شائكاً جديداً. مدير المكتب الاعلامي الكويتي في واشنطن استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات