البرنامج الرئاسي أم المشروع السياسي هو المطلوب في لبنان؟ بقلم- نصير الأسعد

ما زال النقاش دائرا وفي موسم الاستحقاق الرئاسي هذا, حول جدوى مطالبة (المرشح)لرئاسة الجمهورية اللبنانية أو الساعي إليها, يتقدم برنامجه, مثلما لا يزال النقاش دائرا بشأن جدوى المطالبة بمواصفات محددة للرئيس العتيد . ثمة رأي أول في هذا المجال يرتكز إلى اعتبارات دستورية لبنانية في الغالب, مفاد هذا الرأي ان الدستور اللبناني لا يشترط التقدم بترشيح إلى هذا الموقع الرفيع في الدولة والنظام ضمن مهل محددة, وهو تاليا لا يشترط التقدم ببرنامج, وإلى ذلك يضيف أصحاب هذا الرأي ان الترشيح على أساس برنامج يفترض ان الرئيس المنتخب على أساس هذا البرنامج يستطيع ان ينفذ برنامجه, وان تكون هناك قدرة تاليا على محاسبة الرئيس المنتخب على أساس برنامج إذا تقاعس عن تنفيذه, وان تكون هناك آليات دستورية لذلك, ويدعم هذا الرأي نفسه بالقول ان السلطة الاجرائية في البلاد بحسب الدستور لم تعد مناطة برئيس الجمهورية بل انتقلت إلى مجلس الوزراء, ولذلك فلم تعد للرئيس الصلاحيات التي تمكنه من وضع برنامجه موضع التنفيذ وهو لا يستطيع ان يلزم الحكومة بتطبيق برنامجه. فيما يقوله أصحاب هذا الرأي الكثير من الصحة الدستورية, لا بل ان هذا الرأي صحيح دستوريا بالنص مائة بالمائة غير ان أصحاب هذا الرأي لا يشرحون بشكل واف كيف ان المرشحين لرئاسة الجمهورية عندما كانت السلطة الاجرائية مناطة برئيس الجمهورية قبل الطائف, لم يكونوا يقومون ببرنامج ترشيحهم, ويكتفون بالقول ان المرشحين في ذلك الزمان كانوا من كتل سياسية فاعلة تملك برامج معروفة, ثم إلى ذلك نضيف في معرض نقاش هذا الرأي ــ المحترم من دون شك ــ انه إذا كان (البرنامج) مرتبطا من وجه من الوجوه بـ (الصلاحيات) , فهل تمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات مرتبط فقط بجعل النظام السياسي رئاسيا, وهل يتعذر الوصول إلى فكرة البرنامج والآليات إلا بالنظام الرئاسي , ومن دون تحديث النظام الديمقراطي البرلماني بالمطلق؟ هذا فضلا عما يفتحه النظام الرئاسي من بحث في الطائفية السياسية, نسأل ذلك لأن معظم من يتبنون هذا الرأي غالبا ما يقفزون إلى الدعوة إلى النظام الرئاسي. وثمة رأي ثان ينطلق من الدستور أيضا, فيوافق على شطر من الرأي السابق, لكنه يرى ان رئيس الجمهورية ما زال بعد تعديل الدستور بالطائف, يمتلك موقعا محوريا في النظام السياسي في لبنان, ويقول أصحاب هذا الرأي ان رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة, والمحافظ على وحدة لبنان واستقلاله واحترام دستوره, وهو ضابط أداء المؤسسات الدستورية وليس مجرد حكم في اللعبة السياسية التي تدور في اطار هذه المؤسسات ومن موقعه هذا يفترض بالرئيس ان يمتلك رؤية سياسية شاملة, أصحاب هذا الرأي إذا يقولون بـ (الرؤية السياسية) بدلا من البرنامج, والفارق واضح لغويا وسياسيا, ويضيفون انه لذلك لابد ان يكون الرئيس ذا تاريخ سياسي ومصداقية ونزاهة إلخ. وهذا الرأي ينطلق هو الآخر من اعتبارات دستورية حقيقية ــ بالنص ــ ليصل إلى استنتاج آخر مقارنة بالرأي الأول, وأصحابه لا يطرحون الأمر من زاوية ان هناك مشكلة في صلاحيات رئيس الجمهورية التي ما زالت صلاحيات (فعلية) رغم التعديلات على الدستور بعد الطائف, ولا يطرحون تعديل النظام السياسي ليصبح نظاما رئاسيا, بل يضمرون ان ما يرونه ممكن في اطار النظام الديمقراطي البرلماني القائم, وبالقدر الذي تفتح المطالبة بجعل النظام رئاسيا نقاشا في وجاهة ذلك تفتح الدعوة في الاحتفاظ بهذا النظام البرلماني في وجاهة هذا الموقف. وثمة رأي ثالث واقعي إلى حد كبير, يقول بلا جدوى هذا البحث كله, وفي البرنامج والرؤية والمواصفات, طالما ان الأصل هو نزوح المركز اللبناني إلى خارجه, وطالما ان الرئيس يتم اختياره من قبل الخارج ولا تأثير لـ (الداخل) في هذا الأمر, فهو يختار على أساس حسابات المرجعية الاقليمية السورية لسياستها في لبنان.. فلماذا كل هذا البحث في أصله؟ وهذا الرأي يبدو لشدة واقعيته استسلاميا بالمطلق. والآراء كثيرة جدا حيال الموضوع المطروح , ولاتختصرها الآراء الثلاثة الآنفة, غير أننا اخترنا هذه العينة في سبيل اعطاء فكرة عن تلاوين النقاش الدائر في البلد في هذا الخصوص, فأين يمكن الوقوف حيال هذه الآراء المتنوعة الموزعة, مع البرنامج والمواصفات المناسبة, مع الرؤية السياسية والمواصفات, مع لا جدوى الأمرين معا, أو مع المواصفات فقط لأن الشق الآخر أي البرنامج أو الرؤية ليس مهما. السياق الطبيعي لانتاج السلطة والنظام الديمقراطي البرلماني قبل الوصول إلى خلاصة محددة في هذا الأمر بلا تحديد, لابد ـ في رأينا ـ من التعريج على بعض النقاط المثيرة للاهتمام. في النظام الديمقراطي البرلماني الذي ندعي اعتماده يقوم حيث هو معتمد على فصل السلطات وتوازنها, أما القول بتعاونها فمن لزوميات ما لا يلزم , فصل السلطات يعني ان هناك مؤسسات دستورية لها صلاحياتها, وليس هناك فصل للسلطات من دون سلطات وصلاحيات, ويتحقق التوازن بين السلطات عبر آليات دستورية ديمقراطية, على سبل المثال يتمتع المجلس النيابي (البرلمان) بصلاحيتين رئيسيتين: مراقبة السلطة الاجرائية ــ التنفيذية ومحاسبتها ولا معنى دستوريا وديقراطيا للمراقبة ان هي لم تقترن بالمحاسبة, فيما تتمتع السلطة الاجرائية ــ التنفيذية فضلا عن (صلاحية الحكم) بصلاحية حل البرلمان بشروط يجري تحديدها ينشأ عن هذه الصلاحيات المتقابلة توازن أو توازن رعب ديمقراطي. في النظام البرلماني اللبناني المعمول به قبل الطائف وبعده, لم يتحقق فصل السلطات دائما وان وجد لم يكن التوازن متحققا. في نظامنا البرلماني اللبناني تدخلت التوازنات الطائفية والمذهبية وسواها باستمرار فأفسدت النظام الديمقراطي البرلماني, وفي نظام 1943, ربما يقول قائل ان النظام كان أكثر اشتغالا مقارنة مع ما يجري اليوم , تسوية 1942 على ما نظن أعطت امتيازات سياسية للموارنة في لبنان, وفي امتدادها شكلت رئاسة الجمهورية موقعا ممتازا في النظام السياسي ذات صلاحيات كبرى, في مقابل انها أعطت سائر الطوائف مواقع مشاركة في النظام ولكن تحت سقف الموقع الممتاز لرئاسة الجمهورية, المظهر الوحيد لاشتغال الديمقراطية البرلمانية في تلك الحقبة كان امكان اقدام رئيس الجمهورية على حل مجلس النواب, فيما كان المجلس النيابي على سبيل المثال يقوم بدور المراقبة من غير ان يذهب إلى المحاسبة, ان ما نريد قوله هنا ان غلبة الامتياز الماروني في صيغة 1943 لاسباب نفهمها تاريخيا ولا نستنكرها, لم تؤد إلى توازن السلطات بموجب النظام الديمقراطي البرلماني, ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا ان النظام السابق كان نظاما شبه رئاسي باختصار النظام البرلماني اللبناني السابق كان في الواقع نظاما شبه رئاسي. بعد الطائف, وباسم (التوازن الطائفي) بديلاً من الغلبة الطائفية السابقة, وقعنا في مشكلة ان لا فصل للسلطات, أي ان نظام 1942 كان فيه فصل سلطات ولم يكن فيه توازن سلطات, بينما في نظام ما بعد الطائف لا فصل سلطات بل (ترويكا) , ولا توازن سلطات باسم التوازن الطائفي دائما, ومثل وحيد يكفي للقول هنا ان المجلس النيابي لا يراقب ولا يحاسب.. فيما هو يتمتع بصلاحية حل نفسه.. بعد الطائف, كان النظام البرلماني اللبناني نظاما شبه مجلسي. من ذلك نستنتج ان النظام الديمقراطي البرلماني الذي يقوم على فصل السلطات وتوازنها, يبدو مرتبطا ببلد تحقق فيه الاندماج الاجتماعي أو يقوم على رابطة كيانية معينة, فيما أدت التوازنات الطائفية والمذهبية في لبنان إلى جعل النظام الديمقراطي البرلماني فريدا في بابه وكان معطلا في العمق. فالمشكلة إذا في المسألة الطائفية, وليست في النظام الديمقراطي البرلماني نفسه, وإن كنا هناك لا نجري مفاضلة بينه وبين أنظمة أخرى, لانكتشف (البارود) بطبيعة الحال, إنما نقول كم ان الحاجة ماسة إلى بدء معالجتها, وهنا نعود إلى البرنامج وفكرة البرنامج: ليست المسألة من وجهة نظرنا دستورية فقط, إنما لها علاقة بالسياسة, وفي السياسة هي مسألة لها علاقة بامكان تشكل أكثرية نيابية ذات برنامج معين, ومعارضة نيابية ذات برنامج معين أيضا, فيكون برنامج الرئيس ــ والحكم ــ برنامج الأكثرية, نقول إذا ان بدء معالجة المسألة الطائفية, يعطي معنى للنظام السياسي, وتشكل أكثرية نيابية هو خطوة أولى, وهذه الخطوة, لا يمكن الوصول إليها, إلا عبر انتخابات نيابية على أساس قانون ديمقراطي يتيح تشكل كتل مختلطة الأمر الذي لا نراه سلفا بالدوائر الكبرى وهذا شأن آخر على أية حال. أكثرية نيابية مختلطة, ذات برنامج عبر انتخابات نيابية فعلية, خطوات على طريق معالجة أزمة نظامنا البرلماني ومسألتي فصل السلطات وتوازنها والحد من تعطيل التوازنات الطائفية لدوره, الديمقراطية باختصار, وهذا كله عمل سياسي, ليس مجرد آليات دستورية يمكن تعديلها, فالنصوص الدستورية في النهاية كسائر النصوص, مسألة (توازن قوى) , ولن يشتغل لنا دستور إلا إذا كان محميا بكتلة مختلطة توازنها منها وفيها. وإلى ما تقدم, نشعر اننا بحاجة إلى اضافة نقطة اخرى, ان النظام الديمقراطي البرلماني لا يستقيم مع تدخل المعادلات والتوازنات الخارجية فيه, كان النظام البرلماني اللبناني دائم التأثر بالمعادلات الخارجية وان بدرجات متفاوته, ففي نظام 1943 كان تأثير الخارج ينعكس اخراجا لبنانيا له معنى فيما (التوازن الطائفي) ــ الذي لا يتحقق ــ يستدعي حكما خارجيا وأدى إلى نزوح للمركز السياسي نحو الخارج, هذه الاشكالية بحاجة إلى حل فعلا, ولا تحل في سبيل استعادة الداخل لوزنه وتأثيره الا بتسوية بين اللبنانيين لان الطائف بهذا المعنى كان تسوية خارجية اقليمية ــ دولية, والتسوية لا تنهض الا بكتلة لبنانية مختلطة معا. ان ما نطرحه اليوم, بمناسبة النقاش الدائر, هو في العمق بحث في السياق الطبيعي لانتاج السلطة في لبنان, والمسألة بالنسبة الينا هي كل هذا, وليس شأنا دستوريا ـ حقوقيا فحسب, النظام الديمقراطي البرلماني ليس العلة, ما يحيط به هو العلة, المطلوب تسوية تاريخية وكتلة مختلطة وانتخابات فعلية ... الخ. لذلك جوابا عن السؤال الذي طرحناه: اين يمكن الوقوف حيال مختلف الآراء, نقول ان المطلوب مشروع للبنان وليس فقط برنامجا رئاسيا, من الطبيعي ان ننحاز إلى فكرة ان يكون الرئيس ذا برنامج ورؤية, وان تكون له مصداقية ونزاهة, وان يكون نظيف الكف وهذا امر بديهي بالنسبة الينا, لكننا نشدد على مشروع تجديدي كبير يكون الرئيس جزءا منه, مشروع يطلق دينامية خروج من المأزق اللبناني, ويكون العهد المقبل عنوانا لبداية خروج من هذا المأزق, ونذهب إلى ما هو ابعد ـ واخطر ــ من ذلك فنقول حتى لو اتى الرئيس المقبل من خارج كل ما نفكر به, فذلك يجب الا يعني استسلاما للواقع بل المطلوب القاء نسبة من (الحجارة) في المياه اللبنانية الراكدة. مع احترامنا لكل الآراء وفي رأينا بعض من رأي هذا وذاك, نرى ان القطار يجب ان يوضع على السكة في الاتجاه الصحيح, تذكروا العنوان الاساسي: السياق الطبيعي لانتاج السلطة في نظام ديمقراطي برلماني حقيقي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات