هل تتورط ايران في حرب؟ بقلم ـ عبدالقادر ياسين

بعد ان انقضى عقدان من السنين, لاتزال(الثورة الاسلامية)راسخة في ايران و(الشيطان الأكبر)الأكبر لم ينهر بعد. مما دفع بالطرفين ـ الأمريكي والايراني ـ الى التفتيش حثيثا, عن صيغة اخرى, وهجر محاولات نفي الاخر المستعصية. هنا عمدت الادارة الامريكية الى ارباك طهران بعد ان استحال على هذه الادارة احتواء (الثورة الايرانية) , على مدى نحو عشرين سنة.يرجح ان كل ما تريده الادارة الامريكية, الان دفع الحكم الايراني الى مائدة المفاوضات عنوة, حتى يخفف هذا الحكم من شروطه, ويأتي الى الحكم ضعيفا قدر الامكان. لذا جاء التصعيد الامريكي, بقتل الدبلوماسيين الايرانيين في مزار شريف, في 8 اغسطس الماضي, على ايدي مقاتلي (طالبان) ما اوصل العلاقات بين طهران و(طالبان) الى تخوم الحرب. فتعالت الدعوات داخل ايران لشن حرب انتقامية ضد (طالبان) , خاصة مع الهزيمة الساحقة التي حاقت بقوات (حزب الوحدة) الافغاني الشيعي, الموالي لايران, على ايدي (طالبان) مؤخرا, ثم ما كان من مناورات عسكرية غير مسبوقة في اتساعها للقوات الايرانية, على الحدود مع افغانستان, ضمت زهاء 270 الف جندي ايراني, عززتها مظاهرات جماهيرية حاشدة ايرانية, تدعو للثأر من (طالبان) . ما دفع مرشد الثورة الايرانية, على خامنئي الى اعلان حالة الاستنفار القصوى في سائر اقسام القوات المسلحة. وان اوكل خامنئي امر اعلان الحرب الى القيادات السياسية والعسكرية العليا الايرانية. برغم ان الدستور الايراني يجعل من مرشد الثورة قائدا عاما للقوات المسلحة الايرانية, ويوكل الى المرشد امر اعلان الحرب والسلام, في آن معا. وقد اقتصر الامر, حتى الان على اجراء مناورات عسكرية ضخمة, شارك فيها قرابة سبعين الف جندي ايراني, على حدود افغانستان, حملت اسم (ذو الفقار 2) , مما ازعج (طالبان) , ودفعها الى دفع 25 الف من مقاتليها الى مناطق الحدود مع ايران. مع هذا كله, فان الحكم الايراني انضج من ان يستدرج الى المستنقع الافغاني وان كان تلويح طهران بالحرب هنا يفيد كثيرا في صرف سخط الايرانيين الى هذه الحرب المحتملة, كما يصلح ذاك التلويح ذريعة اخرى لقمع المعارضة الايرانية, بلا هوادة لمواجهة (العدو الخارجي) , المتمثل في (طالبان) ناهيك عن ان التصعيد الامريكي, بواسطة (طالبان) , يمد الاتجاه المنشود في الحكم الايراني بسلاح جديد, يبتز به الاتجاه المرن في الحكم نفسه, الذي يتصدره الرئيس محمد خاتمي, ويدعو الى الانفتاح على شتى دول العالم, والتعامل معها, بما فيها الولايات المتحدة الامريكية. بيد ان الذكريات القاسية لحرب الثماني سنوات مع العراق (1980 ـ 1988) لاتزال ماثلة في أذهان الايرانيين, ما يجعل الصيغة المثلى للايرانيين تكمن في تعزيز ودعم القوات الشيعية في افغانستان, بالسلاح والرجال الافغان, حيث هاجر الى ايران ما يربو قليلا على مليوني افغاني, هربا من الاقتتال المستعر في بلادهم, منذ عقدين من السنين, والذي استفحل امره, في السنوات الثماني الاخيرة. ولعل مما يعزز اللجوء الى خيار الدعم ذاك, ذلك التعاطف العالمي الملحوظ مع ايران, بعد اقدام (طالبان) على قتل الدبلوماسيين الايرانيين, وهو التعاطف الذي عمد خاتمي الى محاولة تثميره وتعميقه بحضوره الدورة الحالية للجمعية العمومية للامم المتحدة, فكان اول رئيس ايراني يحضر مثل هذه الدورة منذ عشرين سنة. الى ذلك فان نسج طهران نوع من التحالف مع الدول الاسلامية المجاورة (السوفييتية سابقا), مثل طاقجستان, وكازاخستان, وتراكمنستان, واذربيجان, من شأنه ان يحكم الحصار من حول (الطالبان) , وينعكس, ايجابا على فصائل المعارضة الافغانية, فيعزز تحالفها فيما بينها. هنا يبدأ العد التنازلي لانتهاء مرحلة عض الاصابع المديدة بين طهران وواشنطن, لحساب الركون الى مائدة المفاوضات, بدءا من تفاوض ايران مع جاراتها, بما فيها (طالبان) وتركيا, الذي بدأ, فعلا, في الولايات المتحدة على هامش الجمعية العمومية للامم المتحدة وعلى مستوى وزراء الخارجية. معروف بان الادارة الامريكية رشحت, منذ زمن, القوات التركية لدور جيد في شمال كل من العراق وسوريا, ما دفع تلك الادارة الى فرض التصالح, مؤخرا, بين الحزبين الكرديين الكبيرين المتقاتلين في شمالي العراق, واعني بهما (الاتحاد الوطني) و(الحزب الديمقراطي) , بزعامة جلال الطالباني ومسعود البرزاني, على التوالي في محاولة لتأمين الجناح الايسر للقوات التركية المحتشدة على الحدود مع سوريا, المتناغمة مع القوات الاسرائيلية. حيث لا يمكن اغفال دور ايران المؤثر في اطراد في الصراع العربي ـ الاسرائيلي. كما ان اسرائيل لم تنأى بنفسها عن الصراع الافغاني ـ الايراني, حتى ان حكومة اسرائيل سارعت الى ارسال معونات انسانية الى (طالبان) لمواجهة اثار الزلزال المدمر, الذي اجتاح افغانستان, قبل اسابيع مما افسح المجال لاتصالات بين الطرفين. ناهيك عن هدف الادارة الامريكية المعلن في منع بغداد من توظيف التناقضات الكردية ـ الكردية لصالح الحكم العراقي. مما يعزز دوافع الادارة الامريكية من اجل تزييت العلاقة مع ايران والعمل على تحييدها في المواجهة المحتملة بين سوريا وتركيا, مع انهاء التسهيلات التي دأبت ايران على تقديمها الى العراق منذ زمن حتى تدفع الادارة الامريكية ازمات العراق الى مزيد من الاستفحال, بما يجعل الحكم العراقي لقمة سائغة للامريكيين بالاحتواء او الاسقاط, ايهما ايسر. الى ذلك فان الادارة الامريكية في امس الحاجة الى شل الدور الايراني في وسط اسيا, حيث يتدفق نفط بحر قزوين, والا فلا اقل من تفاهم امريكي مع طهران في هذا الصدد خاصة بعد التقدم النسبي الملحوظ الذي حققه الشيوعيون في روسيا, باجبارهم الرئيس الروسي, بوريس يلتسين, على العدول عن ترشيح تشيرنومردين رئيسا للوزراء, والاتيان بالمرشح الذي يرضى عنه الشيوعيون, يفجين بريماكوف, الذي ضم وزراء شيوعيين الى حكومته. بيد ان طهران لن تنزلق الى مائدة المفاوضات, دون ان تضمن الافراج عن ارصدتها المجمدة في الولايات المتحدة, منذ اندلاع (الثورة الاسلامية) في ايران, واسقاطها نظام الشاه الموالي للادارة الامريكية. على ان هذا كله لا ينفي احتمال ضعيف في تراجع خاتمي امام المتشددين الايرانيين, الطامحين الى وضع حد لازدواج السلطة في طهران, هنا ستدفع ايران رأس (ثورتها الاسلامية) , صاغرة, فضلا عن تقويض كل ما نجحت تلك الثورة في بنائه, في المجالات الاقتصادية, والاجتماعية, والثقافية. ناهيك عن ان الولايات المتحدة تكون قد نجحت في احداث مزيد من التفكك في العالم الاسلامي, عبر توريطه في حروب مذهبية, تندلع شرارتها على الحدود الافغانية ـ الايرانية, لتمتد الى ارجاء العالم الاسلامي, ولا يعلم الا الله مداها الجغرافي والزماني. بما يستنزف قوى هذا العالم, وقدراته ويفرغ حقده على (الشيطان الاكبر) الامريكي في اقتتال اسلامي ـ اسلامي شرس؟ يوقع هذا العالم بحرب سهلة في براثن (الشيطان الاكبر) . ثم هناك الرغبة الامريكية الملحة في اضعاف ايران, حتى لا يغريها نموها ــ الذي يفوق الدول من حولها ــ على التوسع. فضلا عن الهدف الامريكي التقليدي في ترويج السلاح الامريكي في المنطقة, وتحويلها الى حقل تجارب للاسلحة الامريكية الجديدة. لن تبدأ ايران الحرب ضد (طالبان) , وحدها فثمة باكستان على الخط, الامر الذي دفع وزير خارجية الاخيرة الى التحرك السريع, وزيارة طهران, في محاولة لترطيب الاجواء معها. في السياق نفسه, يمكن فهم اسراع رئيس وزراء باكستان, نواز شريف, الى اعلان تطبيق الشريعة الاسلامية في بلاده, مؤخرا, في محاولة لتصعيب امر اعلان ايران (الجهاد) على بلاده. خاصة بعد انتصارات طالبان العسكرية الاخيرة, وتمكنها من السيطرة على زهاء 95 في المائة من مجموع الاراضي الافغانية, واصداء تلك الانتصارات في باكستان نفسها, الدولة القاعدة لطالبان. ناهيك عن رغبة حكومة باكستان في التطهر من جريمتها في تسليم المجاهد الفلسطيني محمد صادق عودة الى السلطات الامريكية, عبر كينيا. بعد ان انتزعت حكومة باكستان من عودة اعترافا صريحا بمشاركته في نسف السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام. مهما يكن من امر مآل التوتر الحالي بين طهران و(طالبان) , فان تبعية (طالبان) ستتعمق, اكثر فاكثر, للولايات المتحدة الامريكية, فيما ستحافظ الاخيرة على اكبر حركة تجارة مخدرات في العالم, والتي غدت (طالبان) شريكا صغيراً في هذه الحركة, التي تديرها لحساب المخابرات المركزية الامريكية. واخيرا فان ثمار الحرب او التوافق ستكون من نصيب اسرائيل, عبر الولايات المتحدة, لذا علينا ان نركز انظارنا على الحدود السورية مع كل من تركيا واسرائيل. فهنا يكمن الخطر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات