طق حنك: بقلم- جلال عارف

في منتصف الثمانينات كنت في المجر ضمن وفد يمثل نقابة الصحفيين المصريين, واستقبلنا المسؤول الأول عن الإعلام في الدولة والحزب الشيوعي الحاكم قبل ان يحدث ما حدث في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية , واستقبلنا الرجل بترحاب مشيدا بالعلاقات بين البلدين , ومهللاً للعهد الجديد الذي بدأ في الشرق الأوسط مع اتفاقيات كامب ديفيد, مدللا على ذلك بأن العلاقات بين بلاده واسرائيل قد شهدت انتعاشا لم تشهده من قبل! وصعق الرجل حينما استوقفناه لنقول له إننا نمثل الصحفيين المصريين الذين أعلنوا ــ من خلال نقابتهم ــ معارضتهم لكامب ديفيد وتمسكهم بالحقوق العربية المشروعة وبالحل الشامل الذي يعيد الأرض العربية المحتلة لأصحابها, ويعيد العرب ــ والفلسطينين أولا ــ إلى أرضهم المغتصبة. وقال الرجل انه لا يفهم شيئا, فقبل أسبوع واحد كان هناك وفد رسمي من الحزب الحاكم في مصر, وكان يجلس في نفس القاعة وعلى نفس المقاعد يشيد بكامب ديفيد ويطلب تأييدها. وطالت المناقشات ونحن نقول له ان خلافا هائلا حول القضية يجتاح مصر والعالم العربي, وأننا نريد موقفا مبدئيا خاصة ونحن نتحاور معه بصفته الحزبية, وفي النهاية خرجنا ببيان عام لا يقدم أو يؤخر, ولكن الأهم من ذلك اننا خرجنا بيقين بأن اسرائيل كسبت الجولة في هذا البلد, وان نفوذها المتنامي سيزداد قوة, وهو ما حدث بعد ذلك للأسف الشديد في معظم انحاء العالم الذي كان يؤيدنا ثم تركناه بعد ان وقعنا في غرام أمريكا, فكانت النتيجة ان ظلت أمريكا في جيب اسرائيل, واقتحمت المعاقل التي كنا نحاصرها فيها, ابتداء من الصين والهند شرقا.. إلا روسيا وشرق أوروبا.. إلى أفريقيا المظلومة, معنا أم مع غيرنا. تذكرت هذه القصة وأنا أتابع أخبار اجتماع مجلس الجامعة العربية الذي وافق انعقاده الذكرى العشرين لكامب ديفيد, ثم وأنا أقرأ البيان الذي صدر عن الاجتماع والذي حمل على اسرائيل ثم طالب المجتمع الدولي بفرض عقوبات مناسبة على اسرائيل لأن سياستها السلم والأمن الدولي.. وهو كلام يصدق عليه انه (طق حنك) كما يقول اخوتنا في الشام, أو كلام (لا يودي ولا يجيب) بعبارة أبسط وأشد وضوحا) . فمن الذي سيأخذ هذا الكلام على محمل الجد, إذا كانت العلاقات ما زالت سمنا على عسل بين اسرائيل وبعض العرب, وإذا كان التطبيع ما زال يجد أنصارا في حماية بعض الدوائر الرسمية, وإذا كان التبادل التجاري ما زال قائما ويزداد أو إذا كانت بعض السلع الاسرائيلية تعبر حدودنا في الحفظ والصون! وإذا كانت الأموال العربية تجد طريقها لبنوك اسرائيل! ومن الذي سيأخذ هذا الكلام على محمل الجد إذا كان السيد عرفات يهدد في الصباح بقطع المفاوضات, ثم يعلن بعد الظهر ان هناك تقدما, ثم يكشف في المساء عن تنازل جديد لا يرضى عنه نتانياهو الذي لن يقبل إلا بالانبطاح الكامل لعرفات, والتسليم الكامل بكل شروط اسرائيل التي لا تعني إلا ضياع الحقوق العربية في فلسطين وفرض (السلام) الاسرائيلي على المنطقة بكل ما يعنيه هذا من هيمنة وابتزاز. ومن الذي سيأخذ هذا الكلام على محمل الجد إذا كانت حصيلة (سلام الشجعان) بعد خمس سنوات من أوسلو هي سلطة فلسطينية تغرق في بحر الفساد, وقهر مزدوج للشعب الفلسطيني من الاحتلال والحكم الذاتي, وفقر لم يعرفه الفلسطينيون في أسوأ الظروف, وثروات مشبوهة للأعوان والأتباع, وإذلال ما بعده إذلال ان يكون الانقاذ هو في رفع الحصار ليذهب آلاف من الفلسطينيين ليساهموا في بناء المستوطنات الاسرائيلية على أرضهم المغتصبة, ثم تدشين لأكبر المشروعات في العهد الجديد بافتتاح كازينو عالمي للقمار باعتباره شعار المرحلة! يطالب مجلس الجامعة المجتمع الدولي بفرض العقوبات على اسرائيل, والرد المنطقي هو: لماذا لا تبدأون أنتم؟ لماذا لا تعود المقاطعة الشاملة التي كبدت اسرائيل أفدح الخسائر.. ولماذا لا توقف كل العلاقات السياسية والاقتصادية معها.. ولماذا لا توقف المسرحية التي تتم بين عرفات والصهاينة وتعود القضية كما كانت : قضية وطن محتل وشعب طرد من أرضه, وليست قضية محميات طبيعية, ونزاع على 3% من الوطن السليب ومشاركة في أرباح كازينو القمار العالمي؟ يطالب مجلس الجامعة المجتمع الدولي بفرض العقوبات على اسرائيل, وهو يعلم ان العقوبات هذه الأيام لا تفرض إلا على العرب والمسلمين بسبب أو بدون سبب, أما الآخرون فتحميهم أمريكا وحلفاؤها, وتترك لهم الحبل على الغارب ليفعلوا ما شاءوا في فلسطين, وليذبحوا الأطفال المسلمين في كوسوفو, ولابادة قبائل بأكملها في أفريقيا, وقتل الآلاف من الأكراد في شمال العراق على يد الحلفاء الأتراك. العقوبات لا تفرض الا على العرب والمسلمين, والمطالبة بفرضها على اسرائيل هو من باب (طق الحنك) كما قلنا فالضعفاء لا يفرضون شروطهم, والسلام لا يأتي بالتسول, والامر لا يتحقق الا بتوازن القوى, والذين فرطوا في اوراق الضغط التي يملكونها لا يحق لهم الحديث الجاد عن حقوقهم الا اذا استعادوا ما فقدوه من اوراق, وبنوا قوتهم من جديد, اما الآن فنحن نخشى حن ان نتحدى قرارات المقاطعة الظالمة ضد ليبيا, وننتظر الفرج لشعب العراق! سوف يسمعنا العالم حين يعود الاعتبار للمقاومة الوطنية الفلسطينية ويسقط اسلوب التسول السياسي, وحين توضع الاموال العربية بالداخل والخارج في خدمة المصلحة العربية وحدها, وحين تكون هناك خطة للتسليح العربي لا تبدد والموارد ولا توجه المدافع الا لصدور الاعداء, وحين يعرف كل طرف دولي ان انحيازه للعدو سيكون له ثمن لابد ان يدفعه من مصالحه السياسية او الاقتصادية. ولا نريد ان نستعيد الحديث عن حلف اكتوبر الذي حقق الانتصار حتى لا نزيد المواجع على أحوالنا اليوم, ولكننا فقط نتساءل: كيف يمكن ان يأخذنا العالم على محمل الجد.. اذا كان مجلس الجامعة الذي يطالب العالم بمعاقبة اسرائيل يعرف جيدا ان احد الوزراء المشاركين فيه سوف يخرج من الاجتماع لكي يحضر الاحتفال بمشاركة بلاده في مناورات عسكرية مع تركيا... واسرائيل؟ اي عقاب للامة ان تدار امورها بهذا العجز, وهذا الاستخفاف؟! ونتوقف عند هذا الحدث الاخير... اعني التحالف العسكري بين اسرائيل وتركيا والذي يمتد الآن ليشمل الاردن, لنفاجأ بنفس القدر من اللامبالاة والاكتفاء بالمناشدات التي لا تغني شيئا في عالم لا يحترم الا القوة ولا يعرف الا لغة المصالح. لقد كان مضحكا منذ البداية ان يقال ان التعاون العسكري بين اسرائيل وتركيا ليس حلفا او تحالفا, وانما هو عمل من اعمال البر والتقوى وان المناورات العسكرية التي قامت بها الدولتان بمباركة امريكا ومشاركتها لم تكن الا تدريبا على اسعاف الغرقى في البحر المتوسط وانقاذ الجرحى وعلاج المصابين... طلبا للثواب والمغفرة! الآن... يتم الاعتراف علنا بما حاولوا اخفاءه طويلاً وهو: اننا أمام تحالف عسكري هو الاخطر منذ استطاعت مصر اسقاط سياسة الاحلاف في المنطقة قبل اربعين عاما. وهو امر لابد ان يتعامل معه العرب بكل جدية... فهم الهدف من هذا التحالف المشبوه, وسيكون الضحية ان لم يفيقوا قبل فوات الأوان! ان تركيا تقوم بالدور الذي تؤهل له منذ الحرب العالمية الثانية كقاعدة أمريكية... واسرائيل تنتهز فرصة فك الحصار من حولها, لتقيم تحالفاتها الجديدة او تحول ماكان منها سريا الى العلن, لتحاصر هي العرب بدلا من ان يحاصروها. وامريكا تخطو خطوة كبيرة نحو وضع خريطتها الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ, وهي خريطة تعتمد فيها امريكا على ما يسمى بـ (دول الجوار) لاخضاع العرب والابقاء على تخلفهم ونهب ثرواتهم ومنعهم من اي خطوة على طريق التضامن والعمل المشترك. وليست الوقاحة وحدها هي التي تجعل اطراف التحالف المشبوه تتحدث عن مشاركة مصرية معهم, رفضتها مصر على الفور, ولكنهم يريدون بذلك فتح الابواب امام اطراف عربية اخرى للانضمام الى الحلف المشبوه, ويبدو ان الاردن قد سار خطوات في هذا الطريق, وهو امر سوف تكون له اوخم العواقب على الأمن العربي. ان التحالف المشبوه يستهدف ضرب سوريا وفرض التقسيم على العراق وانهاء لبنان كدولة, وحصار مصر وقطع الطريق بين عرب آسيا وعرب شمال افريقيا, ثم اخذ دول الخليج رهينة حتى آخر برميل بترول في اراضيها. انهم يتحدثون عن مقاومة (الارهاب) وكأنه الهدف الكبير لتحالفهم المشبوه, ولا ندري كيف تقوم بهذه المهمة الدولتان اللتان تمارسان الارهاب بأسوأ صورة في المنطقة... اسرائيل باغتصابها للارض واصرارها على استمرار الاحتلال وتهويد القدس وتشريد الفلسطينيين وفرض الامر الواقع الاسرائيلي في الارض العربية المحتلة وتركيا بالعربدة في شمال العراق وقمع الاقلية الكردية لديها وحرمانها من حقوقها المشروعة, ثم تهديد سوريا وتوجيه الاتهامات لها والاستعداد للتحرك ضدها. اننا امام تحرك في غاية الخطورة, وكل الاطراف تحاول استغلال حالة العجز العربي لتحقيق اهدافها, وما يجري في روسيا سوف يجعل امريكا تسارع في ترتيب اوراقها في المنطقة استعدادا للمجهود الذي تذهب اليه الامور في موسكو وتوابع ذلك على العالم كله, والعرب في قلب الاحداث يكتفون الفرجة... ثم يدفعون وحدهم الثمن! مرة أخرى.. اي عقاب للامة ان تدار امورها بهذا العجز وهذا الاستخفاف؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات