هل هي فتنة أخرى؟ بقلم- د. حنيف القاسمي

هل نحن بصدد مشاهدة فتنة اخرى تجتاح العالم الإسلامي؟ في ظل اجواء التوتر المتصاعدة بين ايران وحركة طالبان في افغانستان, يجب ان يكون مع هذا التساؤل وقفات عديدة , ويزداد الالحاح لوجود تلك الوقفات مع ارتفاع درجة التوتر عبر الاخبار والتقارير الواردة من حدود البلدين, حيث تشير اخر تلك الاخبار إلى ان حشودا متزايدة للقوات العسكرية للطرفين يتم استدعاؤها إلى منطقة الحدود, ومن المتوقع ان يصل حجم الحشود العسكرية الايرانية على سبيل المثال إلى نحو 200 الف جندي, وذلك بعد ان توجهت عشر فرق للانضمام لنحو 70 الف جندي تم دفعهم من قبل نحو حدود افغانستان لاجراء مناورات عسكرية في تلك المنطقة, وقد قوبل ذلك الحشد باستنفار حركة طالبان, حيث دفعت بقوات اضافية نحو حدودها مع ايران. ويزيد من اشتعال الموقف بين الطرفين تصاعد لهجة التهديد باللجوء إلى الخيار العسكري واستخدام القوة لحل الخلافات الموجودة اصلا بين الجانبين منذ سنوات, ولاسباب اقليمية ودولية عديدة, وقد اضيف اليها جريمة قتل الدبلوماسيين الايرانيين في شمال افغانستان. واذا تم استحضار كل ذلك, مع ما تمثله مصلحة بعض الاطراف والجهات في استمرار هذا التوتر, بل وتصعيده إلى درجة الانفجار, وتحقيق المواجهة العسكرية الشاملة, فلابد ان تصاب الامة الاسلامية كلها بهلع وذعر شديدين خشية ان تصل الامور إلى ما يطمح اليه الكائدون, ويسعد به الكارهون, حيث انه من المؤكد ان نتائج المواجهة الدامية بين الطرفين المذكورين لن تقتصر عليهما, بل سيكون للعالم الاسلامي بأسره نصيب في تلك الكارثة التي نرجو ان يزول شبحها. ولعل استحضار بعض الصراعات المماثلة السابقة يكفي لاعطاء منع وقوع مثل هذه المواجهة الكارثية اولوية اسلامية قصوى, حيث لا تعادلها في هذه المرحلة أي ازمة اخرى, كما يمنح استدعاء هذا الملف بأبعاده وتداعياته التبرير القوي للتحرك السريع نحو ابعاد شبح وقوع كارثة من ذلك النوع. ليس هذا من قبيل المبالغة في تصوير الحدث, بل هو توقع تؤكده الظروف والملابسات الراهنة, وتدل عليه تجارب تاريخية سابقة, لعل أقربها عهدا بالذاكرة الاسلامية الحرب العراقية ــ الايرانية, والتي استمرت ثمان سنوات, وآثار تلك الحرب مازالت ماثلة في أذهان مئات الملايين من المسلمين. والذي يدعو الى الحزن انه في شأن العلاقة المتوترة بين ايران وطالبان ــ كما كان في حالة العراق وايران ــ جرى اقحام الانتماء المذهبي في اسباب الصراع بين الاطراف الداخلة فيه, وتم تصوير الصراع كذلك على انه ناتج عن اشتباك فكري بين السنة والشيعة. ولم يقتصر ترديد هذه المقولة على بعض الساسة, وانما تورط في ذلك نفر من المثقفين, اخطأوا قراءة الاحداث وتشخيصها, وأغفلوا ملابساتها وظروفها, وربما كانت هناك دوافع عديدة وراء ذلك, أهمها ان اطرافا مشبوهة, عربية وغربية سعت من وراء ترديد تلك المقولة, اما للحصول على مزيد شعبيته بعد انحسار رصيدها المحلي, او تحقيق مكاسب اخرى ــ في الغالب مادية ــ لتمويل صفقات الاسلحة التي يتم دفعها الى تلك الحرب الخاسرة, او الحصول على التكلفة المزعومة لصد خطر موهوم, ولعل مما ساعد على ذلك, ان تلك الحقبة كانت حافلة بالتوجه العام نحو التدين, وكان مجرد رفع اي شعار يمثل دينا او مذهبا كفيلا بتحقيق تلك الاهداف. ولا ريب ان المنطقة خلال تلك الحرب كانت تتجه الى مصير مجهول, خاصة وان اطرافا عديدة اخرى تورطت بشكل او بآخر في نزاع الطرفين. وعلى الرغم من الآثار المدمرة للحرب على شعبي ايران والعراق بشكل رئيسي, فانه كان يمكن ان تتجاوز تلك الآثار بأوصافها البائسة حدود البلدين لتشمل العالم الاسلامي بأسره, خاصة في المناطق التي تتعدد فيها الاعراق والمذاهب. ولكن الله سلم, وانتهت الحرب بآثارها المعروفة للجميع, في ذلك يقول الاستاذ فهمي الهويدي في مقاله الأخير بجريدة الشرق الاوسط 14/9/ 98 ان المقادير وحدها هي التي حالت دون تطور الحرب العراقية ــ الايرانية الى مواجهة بين السنة والشيعة, وربما كان العنصر الفاعل في ذلك ان الشيعة لم يكونوا موجودين في ايران وحدها, وانما هم في العراق ايضا, حيث يشكلون نصف عدد السكان او اكثر من ذلك في تقدير البعض, ومع ذلك فالساعون الى اشعال الحريق وتأجيج نار الفتنة بين المسلمين لم يكفوا عن محاولة اقحام المسألة المذهبية في الصراع, وأغرقنا هؤلاء بسيل البيانات والمطبوعات والدسائس والوشايات التي تخدم ذلك الغرض, وهي مساع لم تحقق مرادها ولله الحمد. الامر الذي جعلهم يحاولون اشعال الحرائق على جهات اخرى, مرة باسم الصراع بين (المجوس) والعرب, ومرة باسم الصراع بين الاسلام والعروبة... الخ, ولم يكن خافيا على ذوي الفطن ان الصراع لا علاقة له بكل هذه الامور, وانما هو صراع سياسي اريد به اجهاض الثورة في ايران, وانهاك البلدين واستنزافهما من ناحية ثانية, بحيث لا يبقى في النهاية لا فرس ولا عرب, ولا عروبة ولا اسلام ورغم ا ني لست من انصار التفسير التآمري للاحداث والتاريخ, فان دلائل وشواهد عديدة تشير الى حد التأكيد الى ان هناك اطرافا قد حققت مكاسب كبيرة من وراء اشغال العراق وايران بتلك الحرب البائسة, واستنزاف الطاقات البشرية والمادية فيهما, وتحطيم قوتهما وآلتهما العسكرية, قد تكون هذه القوة مصدر تهديد لمصالح تلك الاطراف, الاشارة الى خلفية الصراع العراقي ــ الايراني امر في غاية الاهمية عند قراءة الاحداث الجارية, وقد كانت تلك الخلفية بحقائقها المتقدمة معلومة لجماهير الامة وطائفة من قادتها. لذا كانت هناك دعوات ملحة لوقف ذلك الهدر العبثي, ولا شك ان ابرز رمز عربي اسلامي له جهود مذكورة في هذا الشأن, هو صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, رئيس الدولة, حيث اطلق دعوات متكررة لوقف المأساة, والذي تحقق في نهاية المطاف, ولكن بعد ان أتت على مصادر القوة في البلدين الجارين المسلمين. في شأن الخلاف الحالي بين ايران وطالبان, والذي يستدعي الى الذاكرة احداث الصراع العراقي ــ الايراني وآثاره, تتوجه الانظار ــ ليس فقط الى حكومات الدول الاسلامية ــ لتلعب دورا هاما في نزع فتيل الازمة, وتهدئة الاوضاع بين الجارتين المسلمتين, بل والى علماء الامة ومفكريها على اختلاف مذاهبهم, والى المؤسسات الاسلامية كالأزهر ومنظمة المؤتمر الاسلامي وغيرها, والذي يدعو الى الدهشة اننا لم نشهد, منذ بداية الازمة الحالية بين الطرفين, وحتى الان جهدا اسلاميا جماعيا له قيمته وتأثيره من حيث حشد الطاقات واستنفار الوسائل لوقف الاشتباك المرتقب, ولا يتوقع قيام جهد جماعي من هذا القبيل, الا تحت مظلة منظمة المؤتمر الاسلامي, والتي تعد تقريبا الجهة الوحيدة المخولة لاداء تلك المهمة. اذا تجاوزنا ذلك, فلابد ان نشير الى الموقف المبدئي لدولة الامارات تجاه مثل هذه القضايا, ثم الدور السعودي الذي بدأ ينشط بصورة جيدة, حيث كانت الاجواء الايجابية الحالية التي تسود علاقات المملكة بايران, بالاضافة الى موقعها المتميز على الخارطة الاسلامية, من العوامل التي تؤهل للمملكة دورا بارزا في الوساطة بين طرفي النزاع, ثم تأتي بعد ذلك المشاركة الباكستانية في عملية الوساطة, وهي مشاركة لها أهميتها الخاصة, وذلك بالنظر الى الدور الاقليمي الهام الذي تلعبه باكستان في المنطقة, سيما علاقاتها المتميزة و صلاتها القوية بحركة طالبان, وتاريخها الطويل مع جارتها افغانستان والذي شهد حضورا هاما منذ الغزو السوفييتي لافغانستان في عام ,1979 حيث كانت باكستان منذ ذلك الوقت تمثل العمق الجغرافي لافغانستان, وكانت قاعدة رئيسية للانطلاق ضد القوات السوفييتية. ولاشك ان التحرك الباكستاني الاخير المتمثل في زيارة وزير خارجيتها سرتاج عزيز الى طهران, يعد خطوة ايجابية نحو ايجاد قاعدة مشتركة لبناء الثقة مع ايران, والتي ــ ان تحققت ــ فسوف يكون لها بلا ريب اثر كبير في تخفيف حدة الاجواء السائدة, ومن ثم تطبيع العلاقات بين الاطراف المرشحة للدخول في صراع مجهول, عواقبه وخيمة على الجميع. والى ان يفعل الله مايشاء, ويفرج الكرب, ويزيل الغمة, تبقى الامة في حالة ترقب ورجاء, مع تعلق آمالها على جهود الوساطة تلك, والتي نرجو ان تؤدي الى رجحان صوت العقل والحكمة ومنطق مصلحة الامة ووحدتها على نذر الحرب وأصوات المدافع. مدير جامعة زايد بالانابة*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات