EMTC

في الذكرى الخامسة لوفاتها: أوسلو واحدة تكفي! ممدوح الشيخ

كان اسحاق رابين يرى اتفاقية أوسلو نهاية لصراع عمره مائة عام, وكان آخرون يرونها نهاية لصراع عمره ربع قرن هو عمر منظمة التحرير الفلسطينية(أو أقل قليلا من عمرها)فلم تكن القضية الفلسطينية تنتظر ظهور المنظمة حتى تحصل على شهادة ميلادها, ولم تكن لتقضي نحبها حتى لو قررت ذلك المنظمة, وخلال خمس سنوات هي عمر هذه الاتفاقية انقسم المحللون بين مؤيد ومعارض لها, ورغم أن الفترة التي مرت منذ تولي بنيامين نتانياهو رئاسة حكومة الكيان الصهيوني إلى الآن أكدت ان الاتفاقية ماتت بالسكتة القلبية إلا ان تقييمها التقييم النهائي متروك للتاريخ, وتظل دروسها وعبرها أجدر بالتأمل والتحليل من نصوصها ونتائجها. وقد طرحت الاتفاقية على الفلسطينيين قضية آليات اتخاذ القرار الفلسطيني ومستقبل التمثيل الفلسطيني ففي خطاب استقالته من المنظمة قال الشاعر المرموق محمود درويش: ( إن هذه المنظمة بهيكلها وبنيتها وأشخاصها وربما بمحتواها قد انتهت.. سواء بكى البعض منا عليها أو فرح البعض بنهايتها. هل تأجلت النهاية في تحليلهم لأسباب اقدام المنظمة على قبول الاتفاقية ذهب بعض المحللين وبينهم قياديون فلسطينون إلى ان الخوف من تيارات سياسية فلسطينية أكثر جماهيرية في الشارع الفلسطيني هو الدافع الرئيسي لاقدام المنظمة على ذلك , بل يذهب محمد حسنين هيكل إلى ان الوفد الفسطيني في مدريد وواشنطن ظهر كأنه مشروع قيادة فلسطينية جديدة ولامعة لكن قيادات المنظمة كان من بينها من عناهم اظهار ان المفاوضين لا يملكون التوقيع!! وإذا صح هذا فإن الاتفاقية كانت على هذا الصعيد محاولة لتأجيل النهاية التي كانت تبدو محتومة إذا قارنا بين المنظمة وفصائل فلسطينية أخرى لها رصيدها الضخم في الداخل. وقد التقت هذه المخاوف التي تجذرت في السنوات الأخيرة في وعي قيادة منظمة التحرير مع هدف صهيوني يعد من ثوابت الرؤية الصهيونية وهو ضرورة منع قيام أي كيان فلسطيني ديمقراطي حيث الديمقراطية تقوي الفلسطينيين فيما يريدهم الكيان الصهيوني ضعفاء, فعندما يكون تقرير مصير الشعب الفلسطيني في يد خمسة أشخاص (على حد تعبير بلال الحسن) فإن التفاهم معهم يكون بغير شك أيسر من مواجهة الملايين الغاضبة. الإصلاح قبل التفاوض وقد أدت المفارقة الضخمة التي عكسها سلوك منظمة التحرير الفلسطينية إلى طرح قضية القرار الفلسطيني على الرأي العام, فقبل ان تقع كارثة أوسلو وفيما المفاوضات العلنية دائرة في واشنطن وجه حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض رسالة للجماهير الفلسطينية طالب فيها بقيادة فلسطينية جماعية على أسس ديمقراطية وتبعه فيصل الحسيني فطالب بحكومة انقاذ وطني تواجه الانهيار الشامل في المؤسسات الفلسطينية, وقد فشلت كل المحاولات الدعائية التي بذلتها المنظمة في ستر الفضيحة, فبينما فسرت كل صيحات الاحتجاج والرفض بأنها رد على تخفيض المخصصات المالية التي تمنحها المنظمة للقيادات جاء الرد من الشارع الفلسطيني ليؤكد أن القرار الفلسطيني يترنح وان الاصلاح يأتي في المقدمة قبل التفاوض, ففي استطلاع للرأي أجري في أغسطس 1994 وبعد أقل من عام من توقيع الاتفاق أجرت شبكة سي ان ان الأمريكية بالاشتراك مع التلفزيون الهولندي ومركز القدس للاعلام والاتصال استطلاعا للرأي في الضفة وغزة تضمن أسئلة عديدة حول المفاوضات ووضع القدس وغيرها من القضايا, وردا على سؤال نصه: (هل ترى ضرورة لاصلاحات ديمقراطية في منظمة التحرير الفلسطينية؟) أجاب 88.7% من عينة الضفة الغربية بنعم مقابل 5.8%, وفي القطاع كانت نسبة الموافقين 83.6% مقابل 8.2% رفضوا. الأسوأ من المؤامرة ان يذهب البعض في تقييم اتفاقية أوسلو إلى انها مؤامرة شاركت فيها منظمة التحرير, فهذا رأي قابل للنقاش أخذا ورداً, أما ما كشف عن خلفيات عملية التفاوض السري فهذا أكثر سوءا من المؤامرة, ليس مقارنة بما كان بالامكان الحصول عليه في هذا التوقيت أو قبله ولكن مقارنة بما ينبغي ان يكون عليه سلوك أي فريق في أي عملية تفاوض, فقبل المفاوضات السرية ومع بدء مؤتمر مدريد طلبت منظمة التحرير الفلسطينية من فرانسيس بويل أستاذ القانون الدولي في جامعة الينوي الأمريكية دراسة قانونية عن مفاوضات الحكم الذاتي ثم خالفت عمدا كل ما أوصت به هذه الدراسة, ففيما يتصل بأسلوب التوقيع نصحت الدراسة بالتوقيع بالأحرف الأولى أولا ثم عرض الاتفاقية على المجلس الوطني الفلسطيني الذي يقوم بتفويض الوفد المفاوض بالتوقيع النهائي عليها, وضرب عرفات عرض الحائط بهذه التوصية وعرض الاتفاقية قبل توقيعها نهائيا على اللجنة التنفيذية للمنظمة وقبل ان تعلن اللجنة عن رأيها كان البيت الأبيض يدعو الرؤساء لحضور حفل التوقيع, في اشارة واضحة إلى ان القرار الفلسطيني معروف سلفا, واكتملت المأساة بالموافقة على الاتفاقية في اجتماع لم يتحقق له شرط النصاب القانوني. وقبل التوقيع والتصديق حفلت المفاوضات باخطاء فادحة تقرع جرس الانذار لتنبه إلى ما يكتنف الأداء الفلسطيني الرسمي من قصور يتجاوز خلافات الرؤى السياسية مهما بلغت درجة التباين بينها, فمثلا لم يكن في وفد التفاوض الفلسطيني خبير قانوني ولهذا فإن النصوص الأصلية للاتفاق صاغها (يونيل سنجر) أحد خبراء الادارة القانونية في وزارة خارجية الكيان الصهيوني, وكان الطرف الفلسطيني يحاول قدر استطاعته ان يختار الصياغات التي يميل إلى أنها اكثر أمنا فوقعت أخطاء لم يكن حدوثها ممكنا إلا في مفاوضات كهذه!! بدون ارادة ولا شرعية الحديث عن ديمقراطية القرار الفلسطيني ليست ترفا فأي اتفاق سياسي بين طرفين لا يمكن ان تكتب له الحياة ما لم يتوفر له شرطان أساسيان: الارادة الحرة, والمشروعية السياسية, والطرف الصهيوني في كل مشروعات التسوية يفاوض من موقع القوة ولا ينطلق عن ارادة حرة ويمثل دائما أغلبية سكان الكيان الصهيوني, أما الطرف الفلسطيني, فيفتقر إلى الشرطين معا, والصهاينة يستغلون ذلك على كل المستويات فعندما يتحدثون إلى الرأي العام الغربي يفسرون استمرار تضخيم آلة الحرب الصهيونية رغم توقيع اتفاقات تسوية مع أطراف عربية بان الحكومات التي وقعت معهم حكومات عسكرية لا تعبر عن شعوبها وقد تأتي الانقلابات العسكرية بآخرين ينقضون هذه الاتفاقات, وعندما يتحدثون إلى الحكام العرب يطالبونهم بضمانات مبالغ فيها خوفا من هذا الاحتمال وهكذا. وأخطر ما يؤدي إلىه النهج الفردي في اتخاذ القرار الفلسطيني اضطرار القائد الفرد إلى إحاطة نفسه بمن يقبلون التنازل عن حقهم في المعارضة مقابل وضع خاص فتظهر أمراض الفساد والطغيان, ولذا لم يكن غريبا ان تزكم الأنوف بروائح الفساد الآتية من سلط الحكم الذاتي قبل ان تمر سنوات معدودة على توقيع الاتفاق, فالاستئثار بالقرار فادح الثمن على كل المستويات وتكفينا في تاريخنا العربي كله أوسلو واحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات