لوكيربى وفصل جديد من صراع الارادات:بقلم- يوسف الشريف

لاشك ان مبادرة الاخ العقيد معمر القذافي بالموافقة ــ من حيث المبدأ ــ على العرض الذي تقدمت به امريكا وبريطانيا الى مجلس الامن لتسوية النزاع حول محاكمة المتهمين في حادث لوكيربى قد حالفها التوفيق السياسي من عدة وجوه . اولها: ان الازمة ظلت تراوح مكانها دون بارقة للانفراج منذ عام 1992, وخلال هذه الفترة نجحت وسائل الاعلام الغربية في شحن الرأي العام العالمي ضد الجماهيرية الليبية عبر ادانتها بتفجير الطائرة الامريكية التي سقطت في منطقة لوكيربي باسكتلندا واودت بحياة 370 من ركابها المدنيين, رغم ان الليبيين المتهمين بارتكاب الحادث لم تجر محاكمتهما بعد! ثانيا: ان امتناع ليبيا عن تسليم المتهمين لمحاكمتهما في امريكا او بريطانيا فاقم من موجة الشكوك التي احاطت بموقفها, رغم اتساقه مع مقتضيات العدالة والسيادة والقانون الجنائي الوطني الذي يحظر تسليم المتهمين الى دولة اخرى ومحاكمتهما خارج الاراضي الليبية الا عبر اتفاقية سابقة في هذا الشأن. ثالثا: انه بالرغم من القاعدة القانونية المستقرة في العالم, والتي تؤكد على ان التشكيك في الوقائع والشهادات تصب في مصلحة المتهمين, الا ان امريكا وبريطانيا ضربتا عرض الحائط بالتقارير والشهادات المضادة التي نسبت ارتكاب الحادث الى دول وافراد واجهزة مخابرات غير ليبية, وتمسكتا بموقفهما الرافض للتحقيق في هذه الوقائع واستجلاء مدى مصداقيتها, الامر الذي يجزم بأن نيه الدولتين مبيته مع سبق الاصرار والترصد لتشويه سمعة ليبيا وفرض العقوبات عليها بعد ادانتها جزافا. والشاهد ان امريكا وبريطانيا لفقتا حادث لوكيربى تكئه لتبرير انتقامهما من مواقف العقيد القذافي المعادية لسياساتهما الغير عادلة ازاء القضية الفلسطينية واتفاقيات السلام (وتطبيع العلاقات مع اسرائيل) , وغيرها من القضايا الافريقية ودعمه لحركات التحرر من هيمنة النفوذ والاحتكارات الغربية, وحتى اصبح القذافي يتصدر قائمة اعداء الدولتين في العالم. وقد لاحت بوادر هذا الانتقام لاول مرة عبر الهجوم البربري الشرس الذي شنته 178 طائرة عسكرية امريكية انطلقت من قواعدها في بريطانيا عام 1986 بقرار من الرئيس ريجان وقصفت طرابلس وبنغازي بالصواريخ, وكذا بيت القذافي في محاولة لاغتياله وراح ضحيتها ابنته التي لم يتجاوز عمرها ستة اشهر غير عشرات المدنيين الابرياء, بينما كشف ديفيد شيلر المسؤول المنشق عن جهاز (إم.أى.6) التابع للمخابرات البريطانية مؤخرا, عن واقعه دفع مائة الف جنيه استرليني لعميل عربي ينتمي الى جماعة اصولية اسلامية مقابل وضع قنبلة اسفل سيارة القذافي عام 1996, لكن محاولة اغتياله باءت بالفشل, ولايزال مسؤول المخابرات البريطانية السابق رهن الاعتقال والمحاكمة لافشائه السر. على ان امريكا لم تكشف عبر هيمنتها على مقدرات مجلس الامن من استصدار قرار بفرض الخطر الجوي على ليبيا والذي كبدها خسائر مادية فاقت 25 مليار دولار غير المعاناة الانسانية التي لايزال الشعب الليبي يتجرع مرارتها, لكنها استصدرت قانون (دوماتو) الذي يفرض عقوبات مالية على الشركات التي تتعامل مع ليبيا وايران, وراحت تحتضن فصائل المعارضة السياسية وتمويل محاولاتها لقلب نظام الجماهيرية تباعا. والمعروف ان امريكا كانت قد وضعت قواتها الجوية واسطولها السادس في البحر الابيض على اهبة الاستعداد عام 1996 ايذانا بضرب مصنع ترهونه الليبي بالصواريخ, اثر اتهامه بانتاج اسلحة كيماوية, لكن الرئيس حسني مبارك سارع بتكليف بعثة من الخبراء المصريين للتأكد من مدى مصداقية الادعاء الامريكي, وبادر على الفور الى نفي البعثة للاتهام. من جهتها ظلت الدبلوماسية الليبية في حالة طوارىء على مدى ست سنوات لتبرئة ساحتها من تهمة لوكيربى, فحشدت جهابذة القانون الدولي لسبر اغوار الحادث, والبحث عن مخارج قانونية لالغاء العقوبات, وتأكيد بطلانها امام المحافل الدولية والاقليمية, ودعوة اهالي ضحايا الحادث لزيارة الجماهيرية وشرحت لهم عدالة قضيتها, بل وعرضت عليهم تعويضات مجزية عملا بالمثل الدارج (خسارة قريبة ولا مكسب بعيد) لوقف الاستنزاف المادي والانساني لقرار الحظر الجوي, ورغم موافقتهم على عرض الجماهيرية محاكمة المتهمين في دولة محايدة, الا ان امريكا وبريطانيا اصرتا على اجراء المحاكمة في اي من الدولتين فحسب! لكن الجماهيرية لم تستسلم لقرار الحظر الجوي رقم 748, حين حملت طائرات شركة مصر للطيران افواجا من الليبيين لاداء مناسك الحج عام 1995, بينما واصلت الطائرات المدنية المهمة بعد يومين فقط من الولاية الثانية للرئيس بيل كلينتون, فيما وصل العقيد القذافي الى القاهرة فجأة في يونيو 1996 على متن طائرة ليبية لحضور مؤتمر القمة العربية, وبعدها وصل وفد ليبي الى اكرا جوا قادما من طرابلس, نهاية بوصول عدد من الرؤساء والوفود المشاركة في قمة بوركينا فاسو الافريقية الى طرابلس جوا في تظاهرة سياسية تنفيذا لقرارها الصادر بعدم التزام دولهم بالقرار 748 بشكل عملي اتساقا مع ميثاق منظمة الوحدة الافريقية الخاص بتقديم المساعدات الانسانية لاي من الدول والشعوب الافريقية التي تتعرض لكوارث. ولعله مما يدعوى الى الدهشة والأسى ان يصدر قرار القمة الافريقية في اعقاب قرار الجامعة العربية الذي يدعو الدول الاعضاء الى رفع العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا, وبعدها تبنت مجموعة دول عدم الانحياز القرار, ولعلها سابقة سياسية وقانونية مشروعة يمكن ان تحذو الدول العربية حذوها لفك الحصار المضروب على العراق بقرار جماعي من الجامعة العربية او القمة العربية, وعندئذ لن يكون بوسع امريكا فرض العقوبات على الجميع بعد ان توزعت المسؤولية على الامة العربية بأسرها, ولعله النهج والاسلوب السياسي الوحيد الذي تستطيع ان تواجه به الهيمنة الامريكية, لاستخلاص حقوقها السلبية اذا ما عقدت الارادة العربية عزمها على النضال بأشكاله السياسية والشعبية والاعلامية والقانونية وهذا اضعف الايمان! ومن هنا كان انتصار ليبيا المحقق, عندما قبلت محكمة العدل الدولية النظر في دعواها ببطلان تسليم المتهمين ومحاكمتهما في امريكا او بريطانيا باعتبارهما خصمين لاتتوافر فيهما شروط الحيده والنزاهة, وهكذا لم يمض زهاء شهرين فقط حتى اعلنت الدولتان قبولهما شروط ليبيا الخاصة باجراء المحاكمة في اسكتلندا وفقا لقانونها الجنائي مع استبدال نظام المحلفين بثلاثة قضاة اسكتلنديين! حسنا كانت موافقة الاخ العقيد على عرض مجلس الامن برفع العقوبات المفروضة على ليبيا بمجرد تسليم المتهمين من حيث المبدأ, مقرونه بشرط التفاوض مع امريكا وبريطانيا حول ضمانات العدالة الخاصة باجراءات المحاكمة, وعندما رفضتا التفاوض قال فلتكن المفاوضات اذن مع الامم المتحدة, لانه يدرك جيدا ان رأسه وزعامته وافكاره مطلبهما الوحيد بعدما فشلت الدولتان في اجتثاثها عبر قصف الصواريخ والانقلابات وسلاح العقوبات, ولتكن المعادلة صفقة سياسية متكافئة ومتزامنة تبدأ بالاعتذار عما اقترفته امريكا وبريطانيا من الجرائم في حق الشعب الليبي ودفع التعويضات نهاية وبفتح التحقيق في محاولة اغتياله بعد ان شهد شاهد من اهلها, خاصة وان الاعتراف كما عرفه فقه القانون سيد الادلة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات