المدارس الخاصة للطالبات: بقلم- د. شفيق الغبرا

يفاجأ الباحث عن مدارس للطالبات في العاصمة الأمريكية ان بعض أفضل المدارس الخاصة في العاصمة الأمريكية على المستوى الثانوي والابتدائي هي مدارس خاصة للطالبات , بينما الانطباع في عالمنا العربي ان الأمريكيين ضد التعليم المنفصل إلا ان انطباعاتنا العربية عن ذلك العالم ليست دائما في مكانها وهي كثيرا ما تخيب بالاتجاهين: اتجاه ما نعتقد انه انحلال واتجاه ما نعتقد انه انغلاق. وكما هو حال كل جديد , فيه الكثير من الاستنكاف. فقد شكلت بالنسبة إلي عملية البحث عن مدرسة لابنتي بعد ان انتقلت إلى عملي الجديد ( وهو عمل انتدبت إليه من جامعة الكويت ومن خلال وزارة الاعلام في دولة الكويت) تجربة في التعرف على فلسفة للتعليم تخالف ما نعرفه عن التعليم الأمريكي, على الأقل نسبة لفترة الستينات والسبعينات. الجديد اليوم ان التعليم المنفصل على المستوى الدون جامعى ( من الابتدائي حتى الثانوية) شائع في الولايات المتحدة وتكاد لا تجد بسهولة مدرسة إلا وتكون حكرا على جنس واحد: طلاب أو طالبات, وفي واشنطن العاصمة الأمريكية تزدهر تلك العاصمة بعدد كبير من المدارس الخاصة ومعظمها من المدارس الغير مختلطة , ولهذه المدارس تقاليد قديمة, إذ بعضها تم تأسيسه في القرن الماضي, وهي مدارس تتميز بفلسفة خاصة للتربية ولديها برامج متطورة لتنمية القدرات وهي فوق كل هذا تجذب كل على حدة: أبناء وبنات النخبة الأمريكية. ولكن علينا الا نخطئ في مسألة المدارس , فالمدارس الخاصة غير المدارس العامة والحكومية الأمريكية, فبينما ما زالت المدارس الحكومية مشتركة بين البنين والبنات إلا ان النسبة الأكبر من المدارس الخاصة هي التي تتميز بأنها ليست مختلطة, وبيما نجد في المدارس الحكومية تنوعا في الخلفيات الاجتماعية إلا ان المدارس الخاصة هي بلا شك حكر على النخبة وذلك نظرا لتكاليفها الكبيرة. ويبدو ان الأمريكيين طوروا فلسفة خاصة للمدارس الخاصة الغير مختلطة, وكما هو واضح كانت هذه المدارس غير مفضلة, وكان الأمريكيون يعزفون عنها في الستينات والسبعينات, إلا انهم في الثمانينات وفي التسعينات عادوا إليها, لم أكن مقتنعا بهذا التوجه في البداية أو متأكدا من مدى صحته , ولكن عملية البحث عن مدرسة أوضحت جوانب غير مرئية إذ تبين انه يوجد فلسفة للمدارس الغير مشتركة الهدف منها تأمين الحماية للطالبات بأكثر منه للطلبة وللبنين, وقد يستنتج القارئ بأن الهدف هو الحماية من الاختلاط بين الجنسين في الأمور التي تثيرنا في العالم العربي والاسلامي, إلا ان هذا لا يدخل في الحساب الأمريكي, بل ان الهدف ليس منع الاختلاط بين البنين والبنات, فهذا الاختلاط قائم بعد المدرسة وأحيانا في مشاريع ورحلات مشتركة بين المدارس الخاصة بالبنين والخاصة بالبنات. ان السعي لمدارس خاصة بالبنات هو أبعد من مسألة الاختلاط كما يفهمها الشرق, بل انه مرتبط بأسس تربية الفتاة في مجتمع صناعي شديد الاختلاط ويعامل الفتاة كما يعامل الفتى بمساواة, ويضع عليها مسؤوليات لا تقل بل قد تزيد عن تلك التي يضعها على الرجل. هكذا اكتشف الباحثون الأمريكيون بأن المدارس المختلطة (وليس الجامعات المختلطة) حيث تكون شخصية الفتاة في أول تشكيلها تسيء كثيرا لهذا التشكيل, ففي المدارس المختلطة, كما يقول الباحثون, يميل الأساتذة إلى تشجيع الأولاد والاعجاب بمهاراتهم على حساب الطالبات, وفي المدارس المختلطة تميل نسبة أكبر من الطالبات للاعتماد على الطلبة في الأعمال التي تتطلب جهدا عضليا, وفي المدارس المختلطة تزداد نسبة الفتيات اللاتي يعتمدن على الطلبة الذكور في أمور تتعلق بالمشاريع المنزلية, كما يلاحظ الباحثون ان الطالبات ممن يتميزن بالمقدرة الكلامية والمقدرة على المناقشة كثيرا ما يحبطن من تدخل زملائهن الأولاد ذوي القدرات الأقل ولكن ذوي المقدرة على احباط الآخرين, كما ان الذكور كثيرا ما يتضايقون من الفتيات المتفوقات, ولهذا تقلل الكثير من الفتيات اتجاه التفوق لديهن وذلك لكي لا يخسرن أصدقائهن من الشبان الذين لا يحبذون التعامل مع الفتيات الأكثر ذكاء. لهذه الأسباب, أي لاسباب تتعلق بنمو الفتاة وازدهار شخصيتها وتطور قدراتها في مجتمع صناعي شديد التنافس ويعامل الفتاة كما يعامل الفتى , ينمو اليوم الاتجاه لبناء مدارس خاصة متميزة للفتيات في الولايات المتحدة, في هذه المدارس تقوم الفتيات بكل شيء, فهن المسؤولات عن نقل الآلات الخاصة بالمسرح, وهن المسؤولات عن أعمال الصيانة وعن كل شيء في برامج المدرسة المسائية والصباحية, بل في هذه المدارس تتجمع أيضا بنات النخبة وهن بطبيعة الحال يبنين شبكة علاقات نسائية تنضم لقوة المرأة في المجتمع الأمريكي, فالمعروف انه توجد شبكة للرجال نبعت من المدارس الخاصة ومن علاقات أبناء النخبة أثناء الدراسة, لهذا في هذا التوجه لمدارس البنات الغير مختلطة يتم بناء شبكة قوة للنساء وهن بالتأكيد العاملات مستقبلاً في شركات كبرى وفي مؤسسات وربما يكن في قيادة أمريكا القرن الواحد والعشرين. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت, مدير المركز الاعلامي الكويتي في واشنطن*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات