EMTC

إلى اللقاء: حساب الأجل والغلاء:بقلم- فاطمة محمد

من الصعب أن يرى أحدنا زميلنا أبا إبراهيم على مكتبه لمدة عشر دقائق متواصلة, فهو يتحرك مثل البندول من مكتبه إلى باقي الأقسام ذات الطبيعة المتكاملة مع عمله ثم (ينكص)عائدا إلى مكتبه . هذا الشخص يعتبر ملهم غير واحد من الزملاء, فإذا تحدث تجده عالما بكثير من أمور الحياة وملما بتفاصيلها لذلك ننتظر حديثه غير المتكلف ونتلقف منه الأفكار في فترة الاستراحة التي لا تتجاوز الدقائق الخمس من وقته, فلا يمانع بل يبتسم معلقا (جميل جدا.. أنا أثرثر وأنتم تكتبون) . منذ أيام كان حديثه عن (البقالات) الصغيرة التي نشأت قبل حمى الاستهلاك الحالية المتصاعدة, والتزاحم على (السناتر) للمقايضة بالوقت, و(السوبر ماركتات) الفخمة, والتي تؤدي نفس غرض هذه الأخيرة بل وبامتيازات تفتقدها أرقى (السوبر ماركتات) وتعجز عن تأمينها. هذه البقالات لا يخلو حي سكني واحد من واحدة منها أو أكثر حيث لم تتمكن تلك المجمعات التجارية المنظمة من ازاحتها أو تقليص دورها أو حتى القيام بمثله. تنامى الحديث عن البقالة إلى ظاهرة الغلاء الفاحش الذي أصاب كثيرا من المجتمعات ولم يستثن مجتمعاتنا بالطبع. لأبي إبراهيم وجهة نظر في سبب هذا الارتفاع المسعور للمواد الاستهلاكية بدءاً من هذه البقالة الصغيرة التي تلبي الاحتياجات والطلبات السريعة و(البسيطة) والتي يكفيها اتصال بالهاتف لتصل إلى البيت بواسطة صاحب البقالة نفسه الذي قد يضطر لاقفال البقالة حتى عودته, ولا يعوق تأمين هذه الطلبات وجود النقود لدى الزبون أو عدمه, ما دام هناك نظام الدفع بالأجل.. فحساب (الآيس كريم) للصغار, و(الشيبس) والمرطبات, والعصائر, علب الكبريت, زجاجة مياه معدنية, أشرطة لاصقة, بطاريات, معلبات, (نقود) !, ولمن أغمض عينيه عن قراءة تحذيرات السبب الرئيسي للاصابة بأمراض القلب والرئة علبة سجائر من الصنف المعتاد. والدفع عن كل ذلك أول الشهر.. والحساب (يجمع) ويتراكم, والبضاعة تنفد من البقالة, فكيف يتصرف البقال ليتحصل على ماله ويموّن دكانه؟ فالمستهلكون لا يعنيهم كثيرا نفاد البضاعة أو زيادتها ولا تعنيهم كيفية التمويل, وقليل منهم يلتزم بالمرور بداية كل شهر ليراجع الحساب ويدفع ما عليه, وقد حفظ البقال طبائع زبائنه وعرف شخصياتهم فهناك المنتظمون بالدفع, والمقتدرون والمدققون والاتكاليون, واللا مبالون, والنسايون, والمجادلون و(المشكلجيون) هواة المشاكل لذلك لا يستبعد أن تتضاعف المبالغ المتراكمة باضافة فرق تأخير السداد في موعده, ويحتسب توصيل الطلبات, ولكن ماذا لو اضطر البقال إلى تحويل حساب المتخاذل عن السداد, والمماطل على حساب مجموع لآخر معروف انتظامه المعتاد بالدفع مع هلة كل شهر, وبذلك تتضاعف أثمان بعض المواد طالما الدفع بعيد الأمد ليتحقق معدل دوران رأس المال المفترض. ويستغرب أبو إبراهيم أن تتطور خدمات البقالة للجمهور, فكما يطلب البعض الحليب والخبز والشكولاته يطلب غيرهم نقودا, وهو في كل الأحوال يلبي الاحتياجات ويوصل الطلبات ليحافظ على زبائنه, والحساب يجمع ولا يدفع إلا (بالتي واللتين) .. زبون يطلب مبلغا نقديا (تقزيره) حتى (ىنزل) الراتب الذي غالبا ما يتبخر قبل أن يصل إلى محيط البقالة لانها في آخر كشف الالتزامات. بعدها لا يستغرب أحد ان يتحول البقال من نظام الأحلام الاستثمارية البسيطة إلى حوت جشع نمى مع محاولته استرداد ماله دون مشاكل لأنه الآخر ضحية الدفع بالأجل لتاجر الجملة الذي يحمله فرق الصبر وفرق التأخير ليتحقق له بالتالي معدل دوران رأس ماله. وهكذا الاستهلاك مستمر والأسعار تتصاعد وحق البقال على الأجل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات