إنسان الجملة والمسار الطويل: بقلم- د. زكي الجابر

في كتابه(أزمة الحضارة ــ آفاق انسانية في عالم متغير)يتحدث (كاميليري)عن أربعة اتجاهات تتشكل بها ومن خلالها, الثقافة الصناعية المعاصرة, اما هذه الاتجاهات فهي الخصوصية, والتلاعب النفسي, والانحطاط المعنوي, والامتثال . ان موطن عنايتنا بهذه الاتجاهات واكتراثنا بها يتأتى من تخطيها المجتمعات المصنعة الى تداخلها في بنية المجتمعات النامية, ونحن منها. ومن اجل ان نصل الى بينة من أمرها وتكوين فهم مشترك حولها, يحسن بنا ان نقف عند كل واحد منها وقفة تأمل واستيعاب لآمادها ولعلك في عجلة من امرك تود ان تكون لك نظرة ممهدة لوقفة ربما تطول. ــ اما الخصوصية فهي هذا الانحسار الملحوظ عن الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية وتحمل تبعاتها, انها رفض كل ما هو خارج الذات, وتمحور حول كل ما هو أنا حتى ليبدو كل انسان وحيدا في هذا العالم, وان ما نسمعه في احاديث ما هو الا ضجيج. والتلاعب النفسي هو ما تنشده عمليات القولبة والتنميط من خلال توظيفها صيغ التوكيد والتكرار والرموز والشعارات. وبالتلاعب النفسي يزاح الفكر الواعي الناقد ويتهيأ الانسان, عن اقتناع, الى قبول واقع يصطبغ بالزيف. ــ وبالانحطاط المعنوي, ينتهي الانسان الى آلة صغيرة في شبكة ضخمة لا يملك ما يجعله قادرا على تكوين معايير تسمو بالنفس وتجعلها متمكنة من الوقوف موقف التميز والفرادة. ــ ومن بعد ذلك, نأتي الى بيت القصيد, كما يقال. الى اتجاه الامتثال, ان تكون انا وأنت وهو على تقارب في الرغبات والتطلعات وأسلوب العيش. وإذا كان الامر كذلك, فإن التنبؤ بالسلوك يغدو امرا ممكنا, وفي ذلك ما يضمن الى حد بعيد نجاح عمليات تسوية البضائع واستهلاكها. لم يعد الانتاج هو العامل الذي يصوغ أو يعيد صياغة انسان (الجملة) الكتلة في مجتمع (الجملة) الكتلة بل غدا الاستهلال فاعلا مؤثرا وحاسما في عملية الصياغة وإعادتها. وإذا ما كان الانسان في المجتمع المصنع قد ألف التعايش مع مجتمع تتوجه به اجهزة الاعلام الى تلك (الكتلة) أو (الكتل) من البشر مترافقة ومنتهية الى ضآلة في المناقشات والمحاورات, فإن انسان (المجتمع النامي) قد أصبح على مقربة من انسان (الجملة) في المجتمع المصنع تجاوبا مع صيرورته تحت طائلة الاستهلاك ومتطلباته المتجددة والمتسعة, وتحت ضغوط هذا السيل الاعلامي المتدفق عبر قنوات التلفزة اخبار وبرامج اعلانات. ان قضية تحويل (انسان المجتمع النامي) الى (انسان جملة) له انعكاساتها على عملية تنمية فكر هذا الانسان وتطويره من خلال النقد والحوار والنقاش الى الدرجة التي يصبح فيها قادرا على تجاوز وضع التقبل اللاعقلاني والاستسلام الى ما تطرحه المجتمعات المصنعة من فكر وتكنولوجيا. وهي قضية لها انعكاساتها على تشكيل (الرأي العام) الذي لن يتبلور بطريقة ناجعة الا من خلال تبادل الاجتهادات والافكار والمشاورات والمناقشات. ان الرأي العام, اذا ما تبلور خلال ذاك يستطيع ان يمنح المشروعية لما يستقيم عليه امر الناس من أنظمة ومؤسسات ودواليب تسيير وتدبير. ان التبلور السليم لن يحققه الا افراد يشعرون بذواتهم ويعيشون هوياتهم واهتماماتهم الفكرية التي لن تتحكم بها مقتضيات السلوك الجماعي وأوامره ونواهيه. وبالتأكد اننا لا ننتظر من كل الناس ان يساهموا في المناقشات ولكن نتوقع ذلك من المعنيين بالشأن العام الذين بما لهم من قدرات ومؤهلات ثقافية ان يفلتوا من اساس الامتثال وأطواق مجتمع الجملة. ان الاسباب التي تدعو الى رفض ضغوط مجتمع الجملة لها صلتها بمفهوم التمرد على عمليات سلب الارادة, وإنكار وضع مصائر البلاد والعباد في أيدي قلة توجه أفكارها من خلال ما لديها من وسائل اعلامية الى الجمهور الذي يخضع الى تأثيرات تلك الافكار بحكم ما في عملية التوجيه من شمولية وتنظيم. يرى (سي. رايت. ملز) عالم السوسيولوجيا, ان تلك الوسائل الاعلامية التي قد تبدو متعددة ومتناقضة تمكن من توظيف بعضها ضد بعض, انها عبر الفحص الدقيق, تتنافس في مجالات موضوعات ضيقة وذات صفات محددة. وانها لن تتنافس في القضايا التي تستوجب التصادم والتنازع, هي متماثلة في منح الهويات التي نظهر بها, ومتماثلة في تشكيل ما تريد ان تكون عليه, ومتماثلة في توظيف الاساليب التي تصل بنا الى هذا التشكيل, وبتعبير أوضح, فإن هذه الوسائل تمارس عملية (هيمنة) . وهي تمارس هذه (الهيمنة) بطريقة تتميز بالتخفي والالتواء, طريقة لا يشعر فيها الخاضعون بأنهم خاضعون. انهم اناس المجتمع الذي وصفه (هربرت ماركوز) ذات مرة بأنه (المجتمع ذو البعد الواحد) , المجتمع الذي لا يشعر فيه العبيد انهم عبيد لا يحلمون الا بما هم عليه من استلاب لإرادة وانكماش في القوة. انه مجتمع انحباس صوت الاعتراض, وتفشي (أمية النفس) . ولعلك مثلي لا تريد لهذه المجتمعات النامية ان تغفل, ولا أقول تتغافل, عما هي عليه من تخلف, وان تظل عاجزة عن تصور المشوار الذي ينبغي عليها قطعه, ولعلك مثلي ايضا تتساءل: كيف السبيل؟ وعندي ان هناك مهمة كبرى تتحملها اجهزة الاعلام من جهة, والمدرسة من جهة اخرى. تتلخص هذه المهمة في اثارة الوعي النقدي. ان قضايا العالم لا ينبغي ان تطرح خلوا من التساؤل والتحدي العقلاني والاستفسار والطرح الملون بالتخيل والمتلبس أثواب (الفنتازيا) لن ينتهي الا الى سلب الفكر, وقتل الميال المبدع. كما يتحتم على المدرسة ان تتجاوز بسرعة وحزم الاسلوب التعليمي الذي يشكل طلابا متقاربين فكرا, متماثلين في تعايشهم السلبي مع اطروحات علوم العصر وفلسفته وتجاربه واجتهاداته. لقد هرم ذلك النمط التعليمي الذي يرى المعلم عارفا بكل شيء مسيطرا على تلامذة يتلقون معارف هذا المعلم بكل سلبية وإذعان. ان التخلي عن هذا النمط التعليمي, ولا القول التربوي, يعني ضمنا متابعة الجديد, وتنمية الوعي النقدي بأساليب الدعاية وطرائق تشويه الاخبار وعمليات التزييف الاعلامي, والمتضمنات التي تنشرها صناعة الاعلان والترويج. لقد وقف شاعر عربي قديم يقول بأن الذي بينه وبين بني أبيه وبني عمه مختلف جدا, واننا ننتظر الانسان الذي يفلت من أطواق مجتمع (الجملة) , مجتمع الاستهلاك والامتثال وتكون له فرادته وتميزه. انه مسار قد يطول, ولكنه بحكم العلاقة التي يذهب بنا الى الاجتهاد الى وثاقتها بين الاستهلاك والامتثال والانحسار عن الالتزام الاجتماعي والاستجابة للدعاية ومغريات الاعلام والانحطاط المعنوي! خبير اعلامي عربي*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات