قراءة في اتفاق أمني: بقلم - محمد خالد الأزعر

من بين اهم ما تمخضت عنه زيارة (توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني الى مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية في ابريل الماضي ابرام اتفاق للتعاون الامني الاوروبي الفلسطيني وفي غمرة الانغماس في الجدل حول مصير عملية التسوية على كل المسارات والقصف السياسي والدبلوماسي المتبادل بين كل المعنيين بهذه العملية, لاسيما المسار الفلسطيني منها, لم يلق هذا الاتفاق العناية الواجبة ولابد ان مواكبة الاتفاق لموسم الذكرى الخمسين للنكبة الفلسطينية, ساهمت ايضا في شغل المراقبين عن تداعياته ومعانيه. لعل اول مايتداعى للخاطر بهذا الصدد كيف ان زيارة بلير بتوقيتها الحساس حيث المشاعر العربية والفلسطينية متأججة تجاه المسؤولية البريطانية عن النكبة, كانت مناسبة لاعلان الاستدراك بأثر رجعي وابداء الاعتذار عن هذه المسؤولية بتفاصيلها المعروفة والمحفورة في العقل الجمعي العربي الفلسطيني غير انه بدلا من ذلك آثر المسؤول البريطاني ان يكون راعيا لاتفاق يكرس من طرف خفي مفهوم الاسرائيليين لدور سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية الذي يدور حول استخدامها كحارس امن لديهم. كذلك يلاحظ انه في الوقت الذي اكد فيه بلير على الدور الامريكي في قيادة ما أسماه جهود التسوية وعدم تجاوز الاوروبيين لوظيفة تكميل هذا الدور نراه يتحمس للمبادرة بالمشاركة المملوسة المتوجه باتفاق مكتوب في الشأن الامني عن هذه الجهود وهو بهذا يعلم تماما ان واشنطن لن تعترض على مداخلة اوروبية هذه حدودها تماما كترحيبها بالحدود الاقتصادية للدور الاوروبي ويعلم ايضا بموقف اسرائيل المماثل, اذ لامجال لامتعاضها من عمل يعزز القيود على حركة الجانب الفلسطيني في نطاق الالتزام بمفهوها للأمن. ينص الاتفاق في نقطته الاولى على انه يقع بين (الاتحاد الاوروبي والسلطة الفلسطينية) لاقامة اطار جديد لتطوير التعاون فيما يتعلق بقضايا الامن وانشاء لجنة امنية دائمة ويبدو ان السلطة الفلسطينية مسرورة بوضعها على سوية واحدة مع الاتحاد الاوروبي فمثل هذه الوضعية تقوي مكانتها والاعتراف بها دوليا لكن هذه لاتعدو كونها نظرة شكلية للامر فالاتفاق بين غير متكافئين يحمل غالبا بصمة الطرف الاقوى ثم ان الحديث عن (اطار جديد للتعاون الامني) يفهم منه وجود اطر قديمة أو فما هي هذه الاطر؟ وقبل ذلك وبعده لايعرف الاتفاق مفهوم القضايا الامنية والمدى الذي تصل اليه ؟ لانتصور طبعا ان يشمل التعريف مثلا امن المهاجرين العرب أو العمالة العربية في دول الاتحاد! ولاقضية استقرار الامن في ايرلندا! ولكننا نفهم المقصود بهذه القضايا في ضوء التفسير الاسرائيلي المذكور اعلاه لدور السلطة من الناحية الامنية. وفي نقطة تالية ينص الاتفاق على ان المشاركة ستقتصر على ممثلي السلطة والاتحاد الاوروبي ولكن يمكن ان تتسع لتشمل من شاركوا في جهود مسبقة لتوفير اطار للتعاون من اجل مكافحة الارهاب. وهنا يحصحص الهدف الرئيسي من الاتفاق حيث يسمح هذا البند للاسرائيليين وربما للامريكيين ايضا بالمشاركة من اجل (مكافحة الارهاب) وهذا في عرف الجميع دون استثناء الطرف الفلسطيني الموقع, يعني اعمال المقاومة بعامة, والقوى الضالعة فيها, الاسلامية بخاصة والمؤلم ان هذا التحالف الموثق ضد تيارات المقاومة الفلسطينية لم يحاول مداراة اهدافه ولو بالاشارة الى امكانية التصدي لاعمال الارهاب الاسرائيلي وهو الاصل في ضياع الامن في فلسطين وجوارها منذ عقود طويلة. يتحدث الاتفاق عن (تنظيم جولات لتقصي الحقائق) ضمن مهام اللجنة الامنية المشتركة. ومرة اخرى لا نتصور ان الرحاب الاوروبية ستكون محلا لمثل هذه الجولات. فهذه العبارة تفتح الباب امام الاوروبيين لمتابعة الاوضاع داخل المناطق الفلسطينية لا اكثر ولا اقل. وتتأكد صحة هذا الفهم من المهمة التالية للجنة وهي طبقا للمادة الخامسة من الاتفاق (تحديد المتطلبات من اجل قيام الاتحاد الاوروبي باعانة السلطة الفلسطينية على الالتزام بتعهداتها بمكافحة الارهاب) . ان مطالعة هاتين المهمتين معا يفيد اننا بصدد لجنة للرقابة الاوروبية الميدانية على اداء السلطة الفلسطينية ترفع تقاريرها الى المعنيين بالالتزامات الفلسطينية في مجال الامن: اسرائيل والدول المانحة والولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي. ولا تترك المادة السادسة من الاتفاق اي شك في طبيعته الرقابية وصولا الى ما يمكن اعتباره انتقاصا من سيادة السلطة الفلسطينية المنقوصة من الاصل فهي تتحدث عن (موافقة السلطة على مبدأ امكان قيام الاتحاد الاوروبي باجراء عمليات تقويم جزئي او كامل من وقت لآخر لقيام السلطة بتنفيذ التزاماتها الامنية في مكافحة الارهاب. بهذا النص تمنح السلطة لشريكها الاوروبي حق الاشراف على جانب دقيق من اعمالها ويلفت النظر ان الاتفاق يشير الى التزامات السلطة الامنية بمكافحة الارهاب بدون اي تحديد لمفردات هذه الالتزامات وذلك بخلاف عدم تحديده لمفهوم الارهاب نفسه كما اشرنا, ويكاد الاتفاق على الجملة يخلو من الوضوح. محاكيا في ذلك كل الاتفاقات التي ابرمها فريق اوسلو الفلسطيني مع كل الاطراف الضالعة في التسوية منذ عام 1993. ويعني ذلك اما وجود تعهدات سرية تفسر الجوانب الغامضة في الاتفاقات المعلنة: كمعنى الالتزامات الامنية والارهاب والرقابة على هذه القضايا واما ان هناك توافق ضمني او تفاهم مضمر بين السلطة والاطراف الضالعة في مثل هذه الاتفاقات على المعاني الحقيقية للمفاهيم المتداولة في النصوص المعلنة. ان ما ينطوي عليه الاتفاق الامني الفلسطيني الاوروبي بين السطور اكثر بكثير مما يبينه ظاهر النص المعلن, لم يعلمنا النص مثلا عن الجهة الممولة للجنة الامنية العتيدة, وهذا امر علينا ان ندركه من تأمل توازن القوى المالي بين طرفي اللجنة وفي كل الاحوال فان السلطة الفلسطينية توغل بعيدا في الزام ذاتها بأمور من شأنها اضعاف موقفها التفاوضي مع اسرائيل وكأنها لم تستوعب حتى الآن درس كومة الاتفاقات التي أبرمتها منذ عام 1993 والتي جاء غموضها دوما في غير صالحها. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات