الهند النووية والعرب ـ بقلم: بقلم: فايز سارة

ربما لم يكن مستغربا ان تقوم الهند باجراء التفجيرات النووية الاخيرة, بل ان الامر بدا طبيعيا, ومتناسبا مع السياق الهندي لسياسة نيودلهي الاقليمية , والتي ترتبط بعلاقات متوترة مع دولتين هما الاكبر بين ثلاث دول في اسيا واعني الصين والباكستان وبينهما الهند, خاصة وان الدولة الاولى وهي الصين دولة نووية وعضو في النادي النووي الدولي, وثمة تأكيدات متعددة ان الباكستان هي الاخرى دولة نووية وان لم تقم باجراء تجارب نووية بعد كما انها غير منضوية في النادي النووي الدولي. وبغض النظر عن مواقف التأييد او المعارضة التي ظهرت في العالم بصدد التفجيرات النووية الهندية الخمسة التي اجريت مؤخرا, فان لما قامت به الهند بعدا عربيا, وهو بمعنى من المعاني حدث هز الوجدان العربي بعمق الى درجة اثار فيها حماس بعض العرب رغم طابع الحذر ازاءالاثار المترتبة على عمل كهذا بصدد جاري الهند الكبيرين الصين والباكستان, حيث الاولى دولة لا تخفي صداقتها للعرب, والثانية اضافة الى صداقتها للعرب, تجتمع واياهم تحت المظلة الاسلامية الواحدة. ومصدر التأثر العربي بالتفجيرات النووية الهندية يرتبط ارتباطا وثيقا بواقع الحال النووي بين العرب واسرائيل ذلك ان اسرائيل تقف منفردة في الساحة النووية للشرق الاوسط منذ اكثر من عقدين اذ تملك اكثر من مئتي رأس نووي تحت الاستخدام وتتوفر لديها البنية التحتية ليس لانتاج المزيد من الرؤوس النووية فقط بل لاستخدامها ولوضع قوتها النووية في دائر الفعل ضد الاهداف التي ترى ضرورة تدميرها في دول الجوار العربي وفي الابعد منه سواء كان عربيا او اسلاميا او غيره. والوجه الاخر للحضور النووي الاسرائيلي في المنطقة يسجل غيابا عربيا شاملا في هذا الجانب اذ ان الدول العربية قاطبة هي خارج الدائرة النووية, بل ان مشاريعها الاولية والتي همها وهدفها استخدام الطاقة النووية في المجالات السلمية قوبلت بحرب واسعة وخصوصا من جانب اسرائيل والولايات المتحدة وثمة اكثر من شاهد يؤكد حضوره في تلك الحرب, وان يكن اكثرها شهرة وحضورا قيام الطائرات الاسرائيلية بتدمير المفاعل النووي العراقي قرب بغداد في صيف العام 1980. وهذه المفارقة في نظرة العرب الى الموضوع النووي تدفع كثيرا من العرب للتوقف عند حالهم وعند قدرة الهند على امتلاكها للقدرة النووية وكلاهما يحرك في الذهن العربي مسألتين الاولى تتعلق بمقدار جدية العالم في الحد من الانتشار النووي ــ وبخاصة العسكري ــ في الدول غير النووية بمعنى التدقيق بمقدار المصداقية الدولية في الدخول الفاعل على خريطة الانتشار النووي من جهة والعمل على وقف البرامج النووية وفي الحالتين تبدو المصداقية الدولية محدودة للغاية وان لها معايير مختلفة متناقضة اذ ثمة تغاض دولي عن امتلاك اسرائيل لقدرات نووية هائلة, وهناك تجاهل مقصود لاستمرار برامج نووية ليس البرنامج الهندي سوى واحد منها وبجواره هناك البرنامج الباكستاني وكلاهما يمضي بأقل قدر من ردة الفعل عليه. والمسألة الثانية في نظر العرب الى الموضع النووي في ضوء الحدث الهندي, تتصل بواقع ان الهند وفيهاعدد كبير من السكان وهي دولة فقيرة, وحديثة الاستقلال والذي لم تتجاوز سنواته الخمسين الا قليلا, وهي في معظم ماسبق تشبه اغلب الدول العربية, والتي تزيد بعضها غنى وثروة على الدولة الهندية, وان كانت اقل سكانا وتثير هذه الوقائع في خلاصتها اسئلة عن معنى نجاح للهند في مشروعها النووي في حين فشل العرب جميعا في مشروعاتهم, رغم ان التحديات التي تقف في خلفية المشروع النووي الهندي, لا تبدو اكثر قوة مما يقف وراء المشروع النووي العربي. واذا كان من الممكن القول ان التغاضي الدولي عن نشاط الهند النووي, قد ساهم في تقديم الهند الى مشروعها وانجازه فان العامل الاهم والاكثر حسما هو تلك الارادة الذاتية للهند من اجل انجاز المشروع وفي المقابل فان الموقف الدولي لعب دور الكابح حيال المشروع النووي العربي وساهم في توقيفه وتوافق ذلك مع حماس وفاعلية ذاتية عربية محدودة في تبني وانجاز مشروع نووي عربي سواء بفعل نقص وضعف الامكانيات الفنية او القدرات المادية اللازمة غير ان التطور الاخير في المشروع الهندي النووي لابد وانه سيعيد للمشروعات العربية النووية بعضا من الحياة والحيوية خاصة في ظل استمرار الوجود النووي الاسرائيلي الذي يهدد العرب ويبتز دولهم وفي ظل الدخول التركي في برنامج نووي تم الاعلان عنه مؤخرا وليس بمستغرب ان يتم انجازه بتعاون تركيا مع اسرائيل وهو تعاون شهد تناميا واسعا في الاعوام الاخيرة, وليس من محظور في شموله التعاون بين الطرفين في المجال النووي.

تعليقات

تعليقات