مشكلة الهوية في الفكر العربي المعاصر ـ د. حامد خليل

ان الثابت فعلا هو ان الانتماء القومي كان ولا يزال يقفز الى الواجهة, ويطغي على اي شكل آخر من أشكال الانتماء كلما تعرضت الأمة العربية لخطر كبير او حققت انجازا مهما في مسيرتها, كما حدث أعوام 56 و58 و67 و,73 وكما يحدث الآن. وهذا ما يجيز لنا الادعاء بأن ثمة هوية عربية عامة ومشتركة كانت ولا تزال تشكل المقوم الأساسي لصبغ شخصية الانسان العربي بطابعها. واذا صح هذا الزعم, فإن الأزمة القائمة ليست, على هذا الاساس, أزمة هوية, وإنما هي أزمة مجتمعية أفضى اليها اخفاق القوى القائدة للمجتمع العربي في التصدي لمواجهة التحديات التي يواجهها. أما أمر تفسير تعدد التيارات وتناقضها في النظر الى مسألة الهوية في المرحلة الراهنة, فإنما يعود في نظري الى عاملين أساسيين, عامل ذاتي ويتعلق بطبيعة النخبة التي تقود التيارات الايديولوجية المذكورة وآليات تفكيرها, وعامل موضوعي, ويتعلق بطبيعة الوضعية العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها القائمة في الوطن العربي. ففي الحالة الاولى, وباختصار شديد, نجد ان الاولوية في عملية صياغة الفكر, وما يفضي اليه من صراع وتصادم بين أصحاب تلك التيارات, لم تعط لقراءة الواقع من أجل انتاج المشروع المجتمعي العربي في كل مجال من مجالات احتياجات تأسيسه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وتحديد آليات فعله التي تتوافق مع انجاز هدفه المتمثل بالتحرر وتجاوز التخلف من جهة, وتحقيق التقدم على كافة الاصعدة من جهة اخرى, وانما اعطيت وتعطى لتسويغ القوالب الجاهزة التي تشكل مرجعيات قارة للتيارات المذكورة, والمنظور اليها على أنها صيغ تكونت مرة واحدة والى الابد, وفي لحظة ماضية من التاريخ يجب أن يقد الواقع, كل واقع, على قدها ويمتثل لاوامرها. ويمكن التدليل على صحة هذا الزعم لدى معظم هذه التيارات بالنقاط الرئيسية التالية: ــ بينما لم يكن التقابل بين العروبة والاسلام عبر التاريخ تقابلا ذا مضمون ماهوي, ولم تكن ثنائيته قطبية على صعيد الهوية, وانما كانت تفعل فعلها على مستوى الاداة فحسب, اي الأداة التي ينبغي تحريكها للدفاع عن الهوية وحمايتها ضد الاستعمار في فترة من فترات التاريخ (العروبة في مواجهة الاستعمار العثماني, والاسلام أحيانا في مواجهة الاستعمار الغربي) كما يرى الجابري, فإن أصحاب بعض التيارات المذكورة أرادوها حربا شعواء لابد من انتصار قطب فيها (الاسلام) واستسلام الطرف الآخر عنوة او تدميره (العروبة). والطريف في الأمر ان احدا من انصار هذا التيار لم يطالب الايراني بأن يتخلى عن هويته بوصفه ايرانيا, ولا الباكستاني ولا الأفغاني, ولا غيرهم في الأقطار الاسلامية الاخرى, إذن فكيف نفسر مطالبتهم لنا وحدنا بالتخلي عن عروبتنا؟ أفلا يدعو ذلك الى الاستغراب, وربما التشكيك في أن المسألة مسألة عقيدية حقيقية؟ ــ وبينما لم تفلح كل محاولات الغزاة في احداث شرخ (إثني) في الجسم العربي بحيث يتحول التمايز الثقافي او العرقي او الديني الى أداة لتفتيته, فإن النخب التي تقود بعض التيارات المذكورة تحاول الآن حرف وظيفة هذا التمايز من كونه عنصرا فاعلا في اغناء الهوية وتخصيبها, الى أداة لاستئصاله من الجسم العربي الذي شكل على مر التاريخ حاضنته, ومصدر نمائه. ـ غالبا ما يحدث إصرار من قبل النخب على إلحاق الثقافي بالسياسي بدعوى ضرورة الدمج فيما بينها, فيترتب على ذلك ان تصبح الهوية الثقافية تابعة للهوية السياسية, وبالتالي أداة طيعة للاستخدام السياسي كلما بدا لاصحاب المصالح ذلك ضروريا لهم. وقد ترتب على ذلك تهشيم الهوية وتحميلها أوزار العبث السياسي, مما اعطى الفرصة المناسبة لاعتبارها سبب الازمة, عوضا عن النظر اليها على انها احدى نتائجها. 4 ــ حفاظا من النخب المذكورة على تثبيت مصالحها, وخوفا من ان يهدد ارتقاء وعي الناس الكراسي التي تشغلها في قمة الهرم الحزبي او الحكومي الذي يشكل اساس بنائها لكانتونانتها, فقد عمدت الى تلقين اعضائها كلماتها هي طالبة منهم حفظها عن ظهر قلب من دون استيعاب لها, ومحذرة اياهم من اقامة أي نوع من الحوار الا مع رفاقهم أو اخوانهم في التنظيم, بحيث لا يسمع الاسلامي غير اراء الاسلاميين, ولا يسمع القومي غير اراء القوميين, وكذلك الماركسي والطائفي والمؤيد والمعارض... الخ وازعم ان احد الاسباب الرئيسية المفضية الى حدوث مثل هذه القطيعة مع الحوار هو اننا نحن العرب نشعر بحساسية شديدة تجاه الكلمة. اذ اننا نعتبر القول فعلا, والكلام واقعا, ولذلك فان كلا منا يشعر بأن الرأي المخالف لرأيه انما يعني, على صعيد الواقع تدمير المؤسسة التي ينتمي اليها, ولا اعتقد ان ذلك يحدث عرضا وبغير قصد. على ان ذلك لا يجب ان يعني ما قلته انما هو سمة طبيعية ملازمة للانسان العربي بوصفه عربيا, وانما هو نتيجة لفعل تاريخ طويل من تعطل لغة الحوار بين الناس في كل ميدان من ميادين حياتهم بدءا من الاسرة وانتهاء بأعلى مؤسسة رسمية أو غير رسمية, مرورا بكافة الهيئات القائمة من تعليمية أو دينية او وظيفية او انتاجية الى اخر ماهنالك من هيئات. اخلص مما سبق الى ان الامر يقتضي من الجميع القيام بمراجعة نقدية شاملة لطروحاتهم النظرية في النظر الى مسألة الهوية. وازعم ان النقاط التالية هي من بين النقاط المفيد أخذها بعين الاعتبار أثناء القيام بتلك المراجعة. 1 ــ التوجه الى الواقع وقراءاته قراءة متعمقة, بحيث تكون الفكرة التي يتم تبنيها هي فكرة ذلك الواقع واستجابة دقيقة لمتطلبات دفعه باتجاه تحرره وتجاوز تخلفه من جهة, والارتقاء به الى مستوى طموحات ابنائه من جهة اخرى على ان يظل الاحتكام الى ذلك الواقع هو الاساس للتمييز بين الافكار في حال تصارعها, وليس الى المرجعيات والقوالب الجاهزة والثابتة التي صيغت في زمان ومكان مختلفين, وتم حفظها عن ظهر قلب ودونما استيعاب لها. 2 ــ النظر الى الهوية ليس من موقع ما كانت عليه, وانما من موقع ما نطمح الى ان تكونه, اي من موقع المسؤوليات التاريخية الحاضرة والمستقبلية التي يتعين علينا حملها والوفاء بالتزاماتها. 3 ــ ان التعددية الثقافية واقعة اساسية في الوطن العربي لا يجب تجاهلها ولا القفز فوقها بل بالعكس يجب توظيفها بمنتهى الوعي والحكمة في اثراء الثقافة العربية القومية وتطويرها وتوسيع مجالها. 4 ــ لما كان الانفتاح على ما تبدعه العقول الاخرى المحلية والعالمية والحوار معها والتحلي بالروح النقدية العالية, هي المناخات الصحية التي يرتقي فيها العقل وتتعاظم قدراته على الابداع والاقتراب من الحقيقة, وكان الانغلاق والتعصب والادعاء بامتلاك الحقيقة كاملة هي الآفات المدمرة والمفضية الى تقوقعه وتعطيل فاعليته فمن الطبيعي والحالة هذه ان تتحول الفضاءات الثقافية العربية الى اسواق عكاظ جديدة يكون الحوار الجاد والمسؤول الاساسي في اقامتها, وان تكف عن ان تكون ساحات لافتعال حروب وهمية, وميادين لتراشق التهم وتبادل فتاوى التكفير والمروق والجاهلية.

تعليقات

تعليقات