لا حل بدون عودة اللاجئين!! بقلم -شفيق الحوت

مع نهاية شهر مايو تنتهي الاحتفالات الخمسينية بذكرى الحدث التاريخي الذي ادى الى نشوء اسرائيل وسقوط فلسطين, مما فرض صراعا عربيا فلسطينيا ضد التحالف الصهيوني ــ الامبريالي امتد خمسين سنة دون التمكن من حسم التناقض لصالح اي من الفريقين . ولعل أهم ما يمكن استخلاصه مما صدر عن الفريقين من ادبيات بهذه المناسبة, بالاضافة الى ما تشهد به المراوحة التفاوضية من تأزم يائس, ان هذا الصراع مرشح للاستمرار خمسين سنة اخرى يكون فيها ضيفا ثقيلا على القرن الواحد والعشرين. فالمشروع الصهيوني الذي أسس لقيام كيان يهودي يكون قلعة آمنة لليهود تقيهم مخاطر الآخرين, ويكون نقيا ونظيفا من اية دماء غير يهودية, وجد نفسه, بعد خمسين سنة على تأسيس هذا الكيان, بأنه انتهى الى غير ما اشتهى وتمنى. فعلى الصعيد الأمني, ثبت ان اسرائيل, من بين سائر مراكز التجمع اليهودي في العالم, هي الاقل أمنا وسلامة على حياة اليهودي. وعلى صعيد النقاوة العرقية, فهناك في اسرائيل الحالية قرابة المليون عربي فلسطيني اي ما يقارب خمس عدد سكانها, وهو رقم مرشح للوصول الى ثلاثة ملايين ونصف اي ما يقارب اكثر من 40 بالمئة من مجموع سكان اسرائيل الكبرى التي يسعى نتانياهو الى اقامتها وتثبيتها. وفي المقابل فإن الفلسطينيين والعرب, لاسباب موضوعية واخرى ذاتية لا مبرر لها, لم يتمكنوا بدورهم من دحر المشروع الصهيوني ــ الامبريالي وتصفيته, كما فشلوا ـ على ما يبدو ــ في احتواء مخاطرة التوسعية, عن طريق قبولهم بتسوية سياسية تنازلوا خلالها عن حقوقهم في المطلق مقابل ما اقرت لهم به الشرعية الدولية وموازين القوى ومزاج المجتمع الدولي الراهن. وبدلا من أن تؤسس اتفاقية اوسلو لقيام اجراء التفاهم والمصالحة تمهيدا لاعطاء كل ذي حق حقه (بغض النظر عن الاجحاف غير المعقول بالحق الفلسطيني), فلقد مهدت هذه الاتفاقية لكشف المزيد من فضائح المشروع الصهيوني ــ الامبريالي, ولتؤكد حقيقة طالما نادى بها العرب, ثم حاولوا تناسيها, وهي ان الصراع مع اسرائيل هو صراع وجود وليس صراع حدود, وان اليهودي ــ ليكوديا كان ام من حزب العمل, هو اكثر ايمانا بهذه الحقيقة من العربي نفسه. ولذلك, وبعد مضي خمس سنوات على اتفاقية اوسلو, الذي توافق مع مضي خمسين سنة على ذكرى النكبة ومقاومتها, لم يكن غريبا ذلك الشعور العارم الذي ساد اجواء الفريقين المتناقضين والمحتفلين بالذكرى الواحدة, وكأننا نعيش عشية اتخاذ القرار المشؤوم بتقسيم فلسطين سنة 1947. اكثر من ذلك, فإنه يمكن القول ان سمة التطرف التي اتسم بها الخطا بان الفلسطيني والاسرائيلي. بمناسبة الذكرى الخمسينية, قد فاقت في حدتها كل ما سمعناه من خطابات سابقة بما فيها تلك التي صدرت في سنوات اوج الصراع العسكري. بالطبع هناك العديد من التحليلات لتقسيم ملابسات واحداث هذه المسيرة الصراعية, ولشرح الاسباب التي ادت الى كل هذه النتائج المأساوية التي نرصدها الآن في الواقع الذي نحياه, وهي تحليلات موضع خلاف واختلاف لا تعيننا في هذا المجال, ولكن مالا يمكن الخلاف او الاختلاف من حوله وتجدر الاشارة اليه هنا, هو فشل التحالف الاسرائيلي ــ الامبريالي, حتى الآن, في تفكيك وحدة الشعب الفلسطيني اولا, ثم في تفكيك وحدة القضية ثانيا, كشرط لتمرير حلوله المرفوضة والتي لا يمكن لاي فلسطيني او عربي او اية قوة كانت ان تمليها وتضمن نجاحها. فبعد خمسين سنة من النكبة تسأل الطفل الفلسطيني اللاجىء, في اي مكان من ديار الشتات: من أنت؟ ليجيبك على الفور ناطقا باسم المدينة او القرية التي ولد فيها اباؤه او اجداده في فلسطين. خمسون سنة من الاقامة في المخيمات, مثل عين الحلوة وصبرا والرشيدية واليرموك والدهيشة والبقعة والشاطىء وغيرها وغيرها, لم تستطع ان تجعل من اسماء هذه المخيمات بدائل عن حيفا ويافا واللد والرملة وسفوري وسحماتا والغابسية وسلمه والعباسية وطبريا وغيرها وغيرها. خمسون سنة من الحياة القسرية في ظلال الاحتلال والتمييز العنصري وتزوير الاسماء والجنسيات, ومثلها من الحياة في المنافي وديار الشتات تحت وطأة الحرمان من ابسط حقوق الانسان بما فيها حق العمل من اجل البقاء, لم تمزق وحدة الشعب الفلسطيني تاريخا وتراثا وتطلعا الى مستقبل واحد. حاول التحالف الصهيوني ــ الامبريالي من اليوم التالي لنشوء فلسطين واقامة الكيان الصهيوني تفكيك ابعاد القضية الفلسطينية عن بعضها البعض. وبقي الثالوث المقدس متماسكا, متمثلا بالموقف الصلب من الحق في الوطن والسيادة فوق ترابه, والحق في العودة اليه, والحق في تقرير المصير. وتبقى الارض ــ الوطن هي قاعدة المثلث, فمن دونها لا عودة, ومن دون العودة الى الارض لن يكون من حق لتقرير المصير. ان اي حديث عن اي حل لاي بعد من ابعاد القضية الثلاثة يبقى لغوا يصدر عن غافل جاهل او عن خبيث متجاهل. من دون ارض, من دون وطن, ووطن سيد, تصبح العودة (توطينا) في الشتات, ويصبح حق تقرير المصير املاء لقبول الواقع والاختيار بين منفى وآخر. لذلك, وعلى الرغم من كل محاولات التحالف الصهيوني ــ الامبريالي بايجاد حل لبعد ما من ابعاد هذه القضية بمعزل عن الآخرين كان يجابه بالرفض القاطع والحاسم لجماهير شعب فلسطين, ابتداء من مشروع اريك جونستون في عهد الرئيس ايزنهاور وصولا الى مبادرة روجرز والنص الذي اقترحه لايجاد حل لمشكلة اللاجئين مربوط بحل نهائي بين الاردن واسرائيل, وهو الى حد ما يشبه النص الذي ورد في اتفاقية وادي عربة سنة 1994. كما انه لا يخفى على احد ان من أهم الاسباب التي ادت الى هذه الوقفة الوطنية الفلسطينية ضد اتفاقية اوسلو هو ذاك الاحساس الفطري لدى الفلسطينيين بأن مجرد القبول بتأجيل البحث في مسألة اللاجئين الى مرحلة المفاوضات النهائية من دون اية ضمانات باقرار اسرائيل بحق العودة كان تفريطا وربما تسليما بالبحث عن حل اللاجئين خارج وطنهم. ومما عزز هذا الاحساس فيما بعد, وزاد بالتالي من حدة المعارضة للاتفاقية المذكورة ولمن وقعوا عليها هو ما تم استخلاصه من الموقف الاسرائيلي في اللجنة الرباعية المكلفة بعودة النازحين. فكما سبقت الاشارة وتكررها ثانية ان هذه اللجنة لا تزال تبحث عن صيغة يتم الاتفاق حولها في تعريف من هو النازح! ان موقف حكومات اسرائيل المتعاقبة, ومنذ العام 1948 يقوم على اساس عدم تمكين اللاجئين من العودة الى ديارهم, وقد بات هذا كله معروفا بعد مضي الزمن وانكشاف العديد من الاوراق الاسرائيلية. واذا كان الموقف الاسرائيلي في الماضي مقتصرا على رفض عودة اللاجئين الى ديارهم وممتلكاتهم التي اغتصبت سنة ,1948 فإن الموقف الراهن قد اتسع ليشمل رفض عودة النازحين الذين اخرجوا من البلاد سنة 1967 مما يعرف اليوم بمناطق الحكم الذاتي والخاضعة نظريا لسيطرة السلطة الفلسطينية. ولعل من أهم الاسباب التي حدت بنتانياهو الى رفع وتيرة السرعة في انشاء المستعمرات الجديدة وتكثيف ما كان قائما هو خلق واقع جديد يحول دون عودة اي لاجىء الى تلك المناطق, بل ويضع المقيمين فيها تحت ظروف سياسية وأمنية واقتصادية تجعلهم يفكرون في الهجرة الى اي مكان سعيا وراء لقمة العيش وحياة آمنة. من هذا كله نستنتج ونلخص أننا ــ فلسطينيين وعربا ــ امام موقف اسرائيلي واضح بأن لا عودة للاجئين او النازحين او الوافدين او اي فلسطيني مهما كانت تسميته المستحدثة بعد النكبة, اي اننا امام مشكلة تمس حاضر ومستقبل اكثر من أربعة ملايين انسان, لا يعرفون لهم في التاريخ من وطني غير فلسطين ولا من هوية وطنية غير الهوية الفلسطينية. وبالتالي فإنه اذا تمكنت اسرائيل من فرض ارادتها فإن الساحات العربية المضيفة حاليا للاجئين ستتحول الى بؤر من القلق والتوتر قد يكون من بينها ساحات مهيأة للانفجار كما في لبنان والاردن بشكل خاص. وهكذا تتحول النقطة الاساسية في الصراع العربي ــ الاسرائيلي الى موقع جديد يصبح فيه الصراع عربيا ــ فلسطينيا, وبالتأكيد يتحول الى صراع عربي ـ عربي. فما العمل ازاء هذه المعضلة؟ سنغض الطرف عما نعتقد انه الجواب القومي الذي يتضمن الحل الذي لا حل غيره, اي فرض العودة بكل الوسائل بما في ذلك اللجوء الى القوة والكفاح المسلح, وسنحاول ايجاد رد نستلهمه من واقع السياسة الواقعية التي يتحدثون عنها, ونقول للدول العربية المعنية بمفاوضات التسوية الراهنة ان الفرصة لم تفلت نهائيا من بين يدي المفاوض العربي. فعلى المفاوض الفلسطيني ان يبادر للاعلان الفوري ان لا صلح ولا اتفاقية سلام حول الحل النهائي من دون عودتين: عودة الهوية الوطنية الفلسطينية الى اصحابها, وعودة هؤلاء الى ديارهم وممتلكاتهم. وعلى المفاوضين السوري واللبناني ان يقرنا مسألة الوجود الفلسطيني في سوريا ولبنان بأية اتفاقية للسلام مع اسرائيل, واشتراط عودة هؤلاء اللاجئين الى ديارهم كشرط لتحقيق هذه الاتفاقية. اما الاردن, وانا واثق بأن المسؤولين فيه اكثر ادراكا مني للمخاطر المحيقة بالاردن كمعين لاستقبال اللاجئين, اينما كانوا, فلابد ان يكون له موقف يتجاوز تكرار الاسطوانة برفض مقولة (الوطن البديل) , وذلك من خلال سياسة فلسطينية ــ اردنية مشتركة تحول دون تنفيذ المخطط اليهودي. وأترك ختام هذه الكلمة لشلومو غازيت الذي قال ان أية تسوية ستفشل في حل مشكلة اللاجئين بشكل كامل لن ينتج عنها سلام دائم وحقيقي, وبما اننا نعرف ان شلوموغازيت لا يعني حل المشكلة بعودة اصحابها الى ديارهم فهذا يعني أنه لا بد من حلها خارج فلسطين... وعلى العرب ان يستنتجوا ما يريدون!!

تعليقات

تعليقات