ابجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

سمعت وربما قرأت بأن الطغيان او الاستبداد بضاعة شرقية فمن الشرق ينبت وفيه ينشأ ويستمر الى ما شاء الله, فاذا أراد الشرقي ان يتخلص منه فلابد له من المواجهة المصيرية التي ترفع شعار (البقاء او الفناء) وعندها يتحول الراسخ الى عارض قابل للتغيير بين لحظة واخرى . في اندونيسيا كان سوهارتو وابناؤه ثابتين, وكان الطغيان سمة الحياة, الطلاب قلبوا الدنيا رأسا على عقب ذات يوم مضى منذ 32 عاما واتوا بسوهارتو وهم انفسهم قلبوا الدنيا نفسها وازاحوا سوهارتو... ورقصوا حتى مطلع الفجر. الاستسلام للطغيان في بلاد الشرق يستمر طويلا لسبب واحد حسب رأيي هو ان الشرقي مستعد لقبول ذلك الطغيان كأحد طبائعه الملازمة, هذا الاستسلام الابدي يحول لحظة التغيير الى زلزال لا يبقي ولا يذر... ووحدهم الطلاب يحسمون امر الزلازل السياسية في بلاد الشرق الطاغية... فلماذا؟ التغيير عندنا في الشرق لا يتناول جانبا من الحياة, ولا يصحح اعوجاجا في ناحية معينة. لان الاستسلام الابدي راكم تراثا من الاخطاء والمشاكل واوجه القصور والأزمات والتصدعات, وسارت الامور هكذا حتى تحولت الى سياق حضاري يسير في هبوط مستمر. لذلك فنحن لا نبحث عن تغيير جانب (ما) في سياق هذا التدهور, نحن ساعتها نبحث عن مخرج لنفق طال فيه سيرنا او ضياعنا. بالامس صوتت ايرلندا وبنسبة 71% لاتفاقية السلام منهية عقودا من الدماء والقتال والدمار, وقد نبتت خلال هذه العقود ازمات وسوءات وخلل تحتاج الى ارادة وشجاعة في المواجهة, التحدي الآن يكمن في البحث عن المخارج بصورة طبيعية بعيدا عن الشعار الشرقي القاتل (البقاء او الفناء) . واظن ان القوم هناك سيعرفون الطريق الصحيح للمخارج وسيفتحون الابواب بدون حمامات دم جديدة وبدون طغيان اسر حاكمة وتسلط فئات معينة تولد من رحم الاستبداد دائما! في الشرق, علينا ان نتعلم امرا مهما هو قبول التحدي بشجاعة, والتحدي امامنا مزدوج دائما: فأولا تحدي المشاكل الراهنة والتصدي لها, وثانيا تحدي الاستعداد لمطالب المستقبل البعيد, نحتاج وبشدة الى ايمان ذكي بأهمية تثوير برامجنا وخططنا واساليب عملنا وابتداء الانتقاء الجيد لقيادات العمل بعيدا عن عقدة الانانية وامراض الوصولية والمحسوبية والجهوية و... لاننا بذلك نضمن, لا أقول مسارا حضاريا سليما 100% في المستقبل فذلك من المستحيلات, ولكن نضمن اخطاء عادية اذا اردنا ان نصححها فيما بعد فاننا نفعل ذلك بهدوء وتحضر وليس بطريقة الشرق العتيدة: اما ان ننقلب رأسا على عقب وتلك مصيبة واما ان نقطع شجرة الفساد الظاهرة ونترك جذورها تمتد بحرية قاتلة في اعماقنا ونحن نعلم ولا نملك خيارا وعندها تكون المصيبة اعظم... هذا ما يحدث اليوم في اندونيسيا.

تعليقات

تعليقات