ديكتاتورية النظام العسكري في تركيا والمواجهة المحتملة: بقلم- أ. د. سعد الدين صالح

منذ ان وصل حزب الرفاه الاسلامي إلى السلطة في تركيا نتيجة لانتخابات ديمقراطية عبرت فيها الاغلبية التركية عن رغبتها في العودة إلى الإسلام والخروج من دائرة النظام العلماني الذي ظل مسيطرا على تركيا طوال هذا القرن . منذ وصل هذا الحزب إلى السلطة والعسكريون في تركيا يتربصون به الدوائر ويدبرون له المؤامرات, ولايزيد ان نستدعي تاريخ تشكيل حكومة اربكان, وكيف حاول العسكر اجهاض تشكيل هذه الحكومة بمختلف الوسائل اللااخلاقية, الرشاوي وشراء الرجال, والوعود بالمناصب وغير ذلك, ولكن الحزب نجح في تخطي الكثير من هذه العقبات. وهنا شعر النظام العسكري المسيطر انه لا مفر من الكشف عن الوجه القبيح في مواجهة هذا الحزب واسقاطه علنا دون ان يقدروا عواقب ما اقدموا عليه, ودون ان يعتبر بحركة التاريخ الماضي ولا حتى باحداثه المعاشة الماثلة امام اعينهم في كثير من دول العالم الإسلامي. لم يقدر النظام ان الدين فطرة في النفوس, وأنه مهما صودرت هذه الفطرة, فإنها لابد ان تعود, نعم قد تغطيها عوامل الانحراف, ولكنها اذا ما وجدت الفرصة للظهور, لابد ان تظهر وتنجلي. لم يقرأ هؤلاء ان سبعين سنة من مصادرة الفطرة واضطهاد الاديان في الاتحاد السوفييتي تحت ضغط الثورة البلشفية الغاشمة لم يقضي على الدين في النفوس, على الرغم من عنف الاجراءات وصرامة القوانين والنصوص, فقد نصت المادة الثامنة والخمسون من الدستور على (أن جميع المتدينين يعدون من اعداء الثورة يجوز لرجال الشرطة في شتى الظروف ان يقتحموا بيوتهم, ويتولوا امرهم بطريقتهم الخاصة) . كما اصدر ستالين مرسوما باغلاق اماكن العبادة, وتصفية كل الجماعات الدينية, وابعاد المتدينين عن المناصب العامة, وتحريم نشر اي كتب دينية, وتحويل المساجد والكنائس إلى دور لعرض الافلام واندية للترفيه, تماما كما فعل النظام العلماني في تركيا الذي حول المساجد إلى متاحف, واغلق المدارس الدينية وغير ذلك من مظاهر العداء للاسلام, ولكن على الرغم من كل ذلك لم يمت الدين في النفوس, وانما كان الناس يستخفون بدينهم انتظارا لساعة الخلاص, حتى انهارت الشيوعية وكان السبب الاساسي في انهيارها هو مصادرتها للفطرة الانسانية. وذهبت الشيوعية وبقي الإسلام. وهكذا نلاحظ ان النظام العلماني الحاكم في تركيا لم يعتبر بحركة التاريخ الماضي, وانما راح يكرر نفس الاخطاء التي وقع فيها آخرون ثبت فشلهم. كما ان هذا النظام عجز حتى عن رؤية الاحداث المعاصرة التي يعيشها بنفسه ويتابع اخبارها في كثير من بلدان العالم الاسلامي. فهناك انظمة كثيرة تعاملت مع الاحزاب الاسلامية بمنهج المصادرات والملاحقات فماذا كانت النتائج؟ منذ ست سنوات فقط قام النظام العسكري في الجزائر بنفس هذا العمل الانقلابي على الديمقراطية فحل جبهة الانقاذ وحظر نشاطها واعتقل رجالها, وايضا لم يصل النظام العسكري إلى مبتغاه, وكانت النتائج في غاية في السوء, حيث المجازر المروعة التي لم نشهد لها نظيرا في اي دولة اسلامية من قبل والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الابرياء, ولا نريد ان نكرر على مسامع النظام العلماني الحاكم في تركيا ما يسمعه ويشاهده كل يوم. ولكننا فقط نود ان ننبه إلى ان العمل الظاهر المشروع الذي يتم في اطار الديمقراطية لا بديل له ــ حين يتم الانقلاب على الديمقراطية ــ الا العمل السري بما يترتب عليه من تداعيات خطيرة اهمها: - افراز تيارات راديكالية تسلك المسالك الانقلابية نفسها. - رد الفعل الشعبي وتعاطفه مع الاحزاب الاسلامية المحظورة. - الصراعات الدموية بعد احلال لغة السلاح محل لغة الحوار. - وهذا ما ينتظر تركيا في ظل حظر نشاط الحزب الاسلامي الوحيد هناك ولو على المدى البعيد. - استاذ العقيدة والفكر المعاصر بجامعة الامارات عضو اتحاد الكتاب المصري*

تعليقات

تعليقات