مجالس العرف العربية .. مؤسسة قضائية موازية، بقلم: محمد خالد الأزعر

تقدر المسافة بين مجتمع القانون والنظام ومجتمع الفوضى, بمدى سطوة المؤسسة القضائية وتطورها , والامكانات الموضوعة تحت تصرفها في مجتمع القانون, تؤخذ هذه المؤسسة على محمل الجد فتكون مرجعية الحركة الإنسانية تقبل ابعادها على مستوى الحكام والمحكومين وفيما بينهم, وهي تؤدي مهامها في هذه الحالة وفق قواعد محددة وإجراءات, يعرفها فقه النظم السياسية والدساتير والشروح القانونية والادارية.. ولكن ماذا يحدث في غياب هذه القواعد والاجراءات بشكل مدون ومعلوم لدى الكافة؟ وكيف يستقيم سير العدالة ويتم التقاضي ان افتقد المجتمع للمؤسسة القضائية وفق الحيثيات التي يسوقها فقه النظم الدستورية الذي نعرفه في رحاب الدولة ومنطقها الراهن؟.. اكثر من ذلك, كيف ينتظم التقاضي في المجتمعات الخاضعة لنظم سلطوية (استعمارية او داخلية قمعية) تنعدم الثقة في نظمها القضائية وأحكامها؟ هل يعني الأمر في هذه الحالات وقوع الناس تلقائياً رهن الفوضى الكاملة وانعدام القانون والقطيعة مع فضيلة العدالة؟ لا تكتسب هذه التساؤلات شرعيتها من منطلقات نظرية بحتة, فثمة دول قديمة وأخرى احدث عهداً, بعضها متقدم بمقاييس العصر وبعضها يصنف ضمن الدول المتخلفة, تفتقر الى الأطر الدستورية والنظم القضائية التي يتدارسها الاكاديميون والمنظرون.. ومع ذلك, فانها لا تشكو من روح العدالة في التقاضي واستقرار النظام العام وديمومته, مقارنة بدول تندرج فيها السلطة القضائية الى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية وفق ما يتصور انه نظام سياسي متطور ومتكامل نظرياً. مبعث هذه الحقيقة ومرجعيتها, ان التقاضي بحسب تشريعات مكتوبة ودساتير واجراءات قانونية تؤطرها مؤسسات حديثة الطابع, ليس هو الطريق الأوحد او حتى الأضمن لغشيان الحقوق وتحصيلها واقرار العدالة, هناك الى جانب هذه العملية المؤسساتية, المنظومة الحقوقية العرفية غير المدونة. فمن المعروف ان التدافع الاجتماعي ــ الاقتصادي انشأ في مجتمعات كثيرة, بينها المجتمع العربي بعامة, ما يعرف بالقضاء العشائري (القبلي) حدث هذا قبل تبلور دولة القانون واستمر بعد قيامها بنسب متفاوتة في مناطق مختلفة. مؤخراً نظمت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة, مؤتمراً موسعاً حول (السلطة القضائية في الوطن العربي) , جرى خلاله مناقشة اوضاع القضاء في 18 دولة عربية.. وقد كان ملحوظاً الا تتطرق اعمال الباحثين للقضاء على هذا الصعيد, الذي يعد بحق نتاجاً طبيعياً لتطور القوانين في بيئاتها الحقيقية, بخلاف الأطر القانونية التشريعية التي قد تهبط على المجتمعات من عل مغايرة للمسار, ومنشئة لاشكالات كبيرة في بعض هذه المجتمعات. في المجتمع الفلسطيني مثلاً, من المعروف ان توالي المستعمرين والقوى الحاكمة العربية غير الفلسطينية, ترتب عليه تراكم عدد كبير من المنظومات القانونية والقضائية, الواردة من خارج البيئة الذاتية البحتة: العثمانية والبريطانية والاردنية والمصرية والاسرائيلية.. وقد تأبط المجتمع شراً من بعض هذه المنظومات كلياً, اذ كان الناس وما زالوا ينظرون للتقاضي وفق قوانين المحتل الاسرائيلي على أنه سلوك شائن. هذه الظاهرة, فرضت الاحتفاظ بآليات داخلية محلية للتقاضي وحماية ما يمكن من الحقوق وصيانة السلم الاهلي, ومن هنا, انتعش الى حد بعيد القضاء العرفي, ولا سيما في المناطق الريفية والبدوية, البعيدة عن متناول الابنية الحكومية في المدن, وكذلك في قلب المخيمات الفلسطينية في الملاجىء وان تركزت في محيط مدني. والواقع ان هذا الحل لاقى قبولاً وتوافقاً شعبياً عاماً, في مناخ النفور من السلطات الحاكمة, التي كانت غريبة في معظم المراحل, غير انه من المثير الا يحدث حكم السلطة الفلسطينية منذ قيام الحكم الذاتي عام 1993 تحولاً لافتاً في هذا السياق, فالقضاء العرفي لا يقل في الوقت الراهن اهمية وسطوة في الضفة وغزة عنه بالنسبة للسلطة القضائية الفلسطينية الحكومية, ويعزى ذلك لحكم العادة السارية وعدم تطوير قانون فلسطيني, فضلاً عن الثقة المحدودة في أحكام القضاء الرسمي في ظل ما يشاع عن سلطوية الحكم الفلسطيني في هذه المرحلة المضطربة من مسار القضية الوطنية. كان القضاء العرفي في فلسطين وما زال, حكراً على عائلات ورجال عدول ذوي نفوذ واسع, يستمدون مكانتهم الاجتماعية من قيامهم على هذا النظام ذاته. وهؤلاء على دراية واسعة بتقاليد المجتمع وموروثه وذاكرته الجماعية بمكوناتها المختلفة. وهم يقضون بأحكام مقبولة عموماً, في القضايا المدنية والجنائية مثلما تفعل اية سلطة قضائية رسمية. مؤدى ذلك ان مقاربة اداء السلطة القضائية في بعض المجتمعات, تكون عملاً منقوصاً, ان هي اقتصرت على متابعة الأطر الرسمية الظاهرة. وليس معنى ذلك, ان القضاء العرفي يفي بمقتضيات العدالة تماماً, اذ ان اداءه ينطوي على خروقات بدوره, فكما ان الفساد والمحسوبية والرشوة وضغوط السلطتين التنفيذية والتشريعية والاحكام العرفية.. يمكنها التأثير على تكافؤ الفرص وقد تؤدي الى كوارث للعدالة, في النظم الدستورية.. فإن مراعاة الوجاهة الاجتماعية والتوازنات الاقتصادية وعدم القدرة على التدقيق في القضايا ذات الطابع الفني المتخصص.., يمكنها أن تفعل الشيء ذاته في القضاء العشائري... إلا أن وجود هذه الآلية يملأ فراغاً كبيراً في الحياة القضائية, وهو في حالات بعينها, كالحالة الفلسطينية, يعد حاجة ضرورية.

تعليقات

تعليقات