المبادرة الامريكية سقف فلسطيني: بقلم- نصير الاسعد

لم تكشف الولايات المتحدة بنفسها مضمون مبادرتها السياسية على المسار الفلسطيني. لكن هذا المضمون عرف وعمم, خاصة بعد ان وافق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عليها رسميا قبل توجهه الى مفاوضات لندن الفلسطينية ـ الامريكية, والاسرائيلية ـ الامريكية . لسنا اذن امام (مبادرة) امريكية عامة تتعلق بمستقبل مجمل العملية السلمية وعلى كافة المسارات, بل هي محصورة بالمسار الفلسطيني. وحتى على المسار الفلسطيني نفسه لا تنطوي (المبادرة) على افكار تتصل بتصور الحل النهائي بما يجعل للمرحلة الانتقالية افقا واضحا.. اي ان امريكا لا (تقود) العملية السلمية نحو هدف محدد, ويبدو في اكثر الاحيان وكأنها تكتفي بمجرد (الادارة) لا (القيادة) .. وبمجرد (التحريك) لا (الحل) . عندما اعلن الرئيس عرفات موافقته على (المبادرة) الامريكية اكد ما كان معروفا منها حتى الان. فبمقابل الشروط الفلسطينية بأن تعيد اسرائيل انتشارها في 30% من الضفة الغربية, وفي مقابل سقف الـ9% الذي وضعته حكومة بنيامين نتانياهو, اختارت الادارة الامريكية ان تدعو الى اعادة انتشار اسرائيلية في 13% فقط. ظاهر الامر ان الولايات المتحدة اختارت الوقوف في منطقة وسط بين السلطة الوطنية واسرائيل.. ولكن حتى بالارقام نراها اقرب الى اسرائيل أليس كذلك؟ وقبل الشروع في توضيح ما سوف تؤدي اليه (المبادرة) الامريكية ـ لو اخذ بها وطبقت ـ لا مفر من توضيح اساسي لقد نجح التصلب الاسرائيلي في استدراج الولايات المتحدة الى (أرضه) اي الى حيث تريد اسرائيل بالذات. ففيما ينص اتفاقا اوسلو والخليل على ان تكون اسرائيل قد انسحبت (او اعادت انتشارها) في معظم الضفة عشية بدء مفاوضات الحل النهائي كما كان مقررا له في مايو 1999, وفيما قضى الاتفاقان بأن تنتهي المرحلة الانتقالية وقد برزت ملامح (الكيان الفلسطيني بحيث يبت مصيره النهائي في مفاوضات المرحلة النهائية وترسم (الحدود) بينه وبين اسرائيل الى جانب قضية اللاجئين والقدس.. وما يبقى في مستوطنات (داخلة) ... فيما كان كل ذلك مفترضا اذا بالولايات المتحدة بدلا من ان تشكل قوة اعتراض على ما تقوم به اسرائيل, ترتضي الانتقال الى حيث تريد اسرائيل, اي دفن اوسلو والخليل نهائيا. المسألة اذن ليست مسألة (رقم) وان اختلف جزئيا مع الرقم الاسرائيلي والمسألة ان هذا الرقم المطروح امريكيا يعبر في السياسة عن (جديد) على انقاض اوسلو والخليل, واليكم البرهان. ان الارض الفلسطينية المحتلة مقسمة ثلاث فئات. الفئة (أ) تحت السيطرة الفلسطينية امنيا واداريا وهي لا تتجاوز الان نسبة 3%. اما الفئة (ب) وهي تتبع السلطة الفلسطينية اداريا واسرائيل امنيا فتصل الى نسبة 27%.. فيما الـ (ج) وتتبع اداريا وامنيا لاسرائيل فتبلغ مساحتها 70% الان. ما ينقل عن (المبادرة) الامريكية بشأن اعادة انتشار في 13%, لا يقول حقيقة 13% جديدة بل يقصد ان يصبح مجموعة مناطق الفئة (أ) 13%, وهكذا بعد (المبادرة) الامريكية اذا اخذ بها, نصبح امام الوضع الاتي: فئة (أ) 13%, فئة (ب) 27% وفئة (ج) 60%.. أي ان ما ينتقل الى السلطة الفلسطينية فعليا لا يتعدى نسبة 10% فقط. المطلوب من الفلسطينيين لقاء 10% ان يستجيبوا لشروط امنية تحت عنوان ما يسمى (مكافحة الارهاب) , فيما السيادة الاسرائيلية على الارض الفلسطينية مستمرة! نقول اذن ان الاقتراح الامريكي المتداول يكرس ما شرعت اسرائيل فيه اي تمزيق امكانية تشكل الكيان الفلسطيني عمليا.. فضلا عن كونه نهاية المرحلة الانتقالية.. وبهذا المعنى المحدد, سواء جرى الانتقال مباشرة الى مفاوضات الوضع النهائي فيما لو جرى الاخذ بالاقتراح الامريكي, او جرى الانتقال الى هذا الوضع النهائي في موعده الاصلي في مايو 1999, فان الفلسطينيين سيكونون محرومين من أي عامل قوة, لا بل قد قرر وضعهم النهائي سلفا. كاتب لبناني

تعليقات

تعليقات