الصحافة النسائية: بين التغريب والبحث عن الذات: بقلم- الدكتور محمد قيراط

لعبت الصحافة النسائية عبر التاريخ دورا هاما في معالجة قضايا المرأة وتحريرها وكانت بدايتها الاولى في اواخر القرن الماضي ومطلع القرن الحالي بداية مشرفة حيث اسهمت في تحرير المرأة والعمل على ادماجها في المجتمع في مختلف المجالات والقطاعات. وكان دورها فعالا في تعليم المرأة وتحريرها من مختلف القيود والافكار الرجعية المتخلفة. وبفضل المجهودات الجبارة لدعاة تحرير المرأة واشراكها في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وبفضل المجلات والصحف المختلفة عبرت المرأة عن ارادتها وعن قدرتها في خوض مجالات الحياة المختلفة جنبا الى جنب مع الرجل, وكان لها الشرف ان شاركت في الحروب والثورات التي ادت الى الاستقلال ونيل الحرية والتخلص من الاستعمار الاوروبي. وكانت الصحافة آنذاك صحافة تنبع من اعماق مشاكل المرأة العربية وهمومها وطموحاتها. واتسمت قيم ومبادىء الصحافة آنذاك بالاصالة والجدية والاحترام التام لمبادىء الدين والتقاليد والعادات الاصيلة. وكانت الصحافة في ذلك الوقت صحافة قضية ومبادىء ورسالة نبيلة, لم يكن يشغلها الربح ولا الاعلانات ولا اخبار الموضة والازياء والنجوم. صحافة زمان فتحت ابوابها للمرأة الشاعرة وللقاصة وللمهندسة وللطبيبة وللجامعية وللممرضة للتعبير عن افكارها وآرائها ومشاكلها وهمومها. هذه الصحافة كانت قناة لحرية التعبير ولحرية الفكر والرأي واستطاعت بذلك ان تساهم في تكوين الرأى العام وفي اسماع صوتها للمجتمع. لا يمكننا الكلام عن الصحافة النسائية في الوطن العربي في ايامنا هذه دون الكلام عن الصحافة وهمومها ومشاكلها بصفة عامة فالصحافة العربية ورغم تباين همومها ومشاكلها من بلد عربي الى اخر ورغم الفروق الموجودة في هامش الحرية من دولة الى اخرى الا ان القاسم المشترك بين كل الدول العربية هو عدد من المشاكل والعراقيل والمضايقات المستمرة التي تعاني منها المؤسسة الاعلامية في الوطن العربي, حيث ان السلطة مازالت تنظر الى المؤسسة الاعلامية بعين من الحذر والابوية. ولهذا فان الصحافة والمقصود بالصحافة هنا مختلف الوسائل الاعلامية سواء كانت اذاعة ام تلفزيون او وسائل مطبوعة, في الوطن العربي مازالت لم ترق الى مستوى الفاعل الذي يغير ويصحح وينتقد ويؤثر في القرار السياسي الا نادرا فعلاقة السلطة بالصحافة في الوطن العربي هي علاقة ابوية حيث يضيف فيها مجال الحرية اضافة الى وجود اجراءات قانونية وتشريعية وتنظيمية تحد من الاداء الفعال والمتميز للصحافة العربية سواء كانت الصحافة العامة او الصحافة النسائية. فكيف اذن ستكون في ظل هذا الواقع وهذه الخلفية الصحافة النسائية في وطننا العربي؟ واقع الصحافة النسائية في الوطن العربي: عند الكلام عن الصحافة النسائية اول تساؤل يلفت انتباهنا هو ما هي مكانة المرأة العربية في المجتمع وما هو دورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية... الخ؟ والى اي مدى استطاعت المرأة ان تفرض وجودها وتطرح مطالبها وتشارك في الحياة بمختلف دروبها وابعادها؟ التساؤل الثاني يجرنا لمحاولة معرفة ما هو عدد الصحافيات اللواتي يمارسن المهنة في مختلف المؤسسات الاعلانية, ورغم ان الجنس اللطيف يفوق الذكور الا ان عدد الصحافيات وحسب نتائج الدراسات الاخيرة للقائمين بالاتصال لا يتجاوز الـ 25% من العدد الاجمالي للصحافيين الممارسين. وهذه النتيجة تقودنا الى تساؤل آخر وهو ما هي المناصب القيادية التي تتمتع بها الصحافية العربية في المؤسسة الاعلامية؟ والاجابة تبعث على التشاؤم حيث ان نسبة قليلة جدا من الصحافيات وصلت الى منصب رئيس قسم, او رئيس تحرير او مدير. وهذا يعني الكثير بالنسبة لفعالية العنصر النسوي ومشاركته في اتخاذ القرار. كيف ينظر المجتمع الى المرأة؟ وكيف ينظر الى المرأة العاملة وعلى وجه الخصوص المرأة الصحافية. والملاحظ ان الصحافية تعاني من مشاكل عديدة, فانها تعاني من نفس المشاكل الذي يعاني منها الصحافي الرجل اضافة الى مشاكل اخرى خاصة بها كامرأة تمارس عملها في مجتمع رجال مازال ينظر الى المرأة كعنصر تابع غير قادر على الانتاج والعطاء الا في البيت. كل هذه المشاكل والعراقيل ادت بطبيعة الحال الى خروج الصحافة النسائية عن مسارها الصحيح وخروجها عن الاهتمامات والمشاكل الحقيقية, التي لا تحصى ولا تعد, للمرأة في الوطن العربي وراحت تهتم بالقشور وبالشكليات. وهكذا دخلت قيم خبرية واعلامية على الصحافة العربية لا علاقة لها بواقع المرأة ومشاكلها في الوطن العربي وتفننت المجلات النسائية في التسابق على عرض مواد التجميل وطبق اليوم والازياء والموضة ومختلف انواع الكماليات وكذلك الاثاث وتقنيات الرشاقة واخبار النجوم والاغاني والافلام وقصص الحب التي تنتهي بالذبح والقتل والجرائم وكذلك مواضيع الحب والغرام. وهكذا حكمت الصحافة النسائية على نفسها بنفسها واكدت ان المرأة يتحدد وجودها وينتهي في المطبخ وفي التجميل والموضة والرشاقة. وكأنها لا وجود لها في المجالات الاخرى وكأن المرأة لم تقتحم السياسة والتجارة والاقتصاد والجامعات ومراكز البحوث والرياضة والطب والتعليم ومجالات اخرى كثيرة ومتشعبة. وهكذا بليت الصحافة النسائية بداء القيم الغربية واصبحت صورة طبق الاصل للمجلات النسائية الغربية التي تتعامل مع المرأة وكأنها سلعة commodity وحاجة وشيء object لا اكثر ولا اقل تجدها في اعلانات السيارات والعطور وفي غلاف المجلات والصفحات الاولى من المطبوعات لضمان البيع. هذه القيم اذ يغلب عليها طابع التبسيط والتسطيح والتهميش والسلوك الاستهلاكي والتركيز على الشكليات, وهذا بطبيعة الحال يؤدي الى الابتعاد وعدم التطرق للمواضيع الحساسة والرئيسية التي تشغل المرأة وواقعها واهتماماتها وهمومها ومشاكلها. فبدلا من معالجة قضايا مثل العلاقة بين الزوج والزوجة او العلاقة بين الاولياء والاولاد او العلاقة بين المرأة والمجتمع, ومشاكل المرأة العاملة, او على سبيل المثال مشاركة المرأة في الحياة السياسية ومساهمتها في الحركة الثقافية والرياضية والاجتماعية نجد الصحافة النسائية منهمكة في مواضيع لا تثري ولا تفقر الغالبية العظمى من النساء. فلسفة واهداف الصحافة النسائية: اذا اردنا ان نقيم ونحكم على الصحافة النسائية يجب علينا ان نسأل اولا ماذا نريد من هذه الصحافة؟ وما هي اهدافها, وكيف تنظر هذه الصحافة للمرأة؟ هل الهدف من هذه الصحافة هو الاعلانات وتحقيق الارباح؟ ام الهدف هو تغيير واقع المرأة والعمل على تطويرها وازدهارها ورقيها ورفع مستواها التعليمي والثقافي والعمل على ادماجها في المجتمع. هل تهدف الصحافة النسائية الى طرح المشاكل الحقيقية التي تعاني منها المرأة تجد ذاتها فيها وتعبر عن اهدافها ومطامحها, ام هي صحافة تعمل على تهميش المرأة وتفريغها من محتواها الحقيقي؟ هل تعمل هذه الصحافة على تشجيع المواهب والعنصر النسائي في مختلف مجالات الحياة؟ هل الهدف من هذه الصحافة هو ترسيخ العادات والتقاليد والثوابت والمعتقدات وارساء القيم العربية الاسلامية؟ هل الهدف من الصحافة النسائية هو بعث التراث والاهتمام بتاريخ المرأة وبتاريخ الحركة النسائية وانجازاتها عبر العصور؟ واخيرا هل الهدف من الصحافة النسائية هو تحسين اوضاع المرأة وتطويرها وبذلك تغيير الواقع ام الهدف هو تكريس الوضع الراهن, ومن هنا تكون هذه الصحافة ناقلة وليست مغيرة. واقع الصحافة النسائية في الوطن العربي هذه الايام يؤكد لنا العديد من المعطيات التي تتناقض مع اسس الصحافة النسائية الفاعلة والمؤثرة والمغيرة, وكل المؤشرات تدل على كثرة الاعلانات وكذلك المادة الترفيهية والخفيفة والتبسيطية الضحلة, كما تفتقر هذه الصحافة في معظمها الى ابواب وأركان ثابتة تعكس واقع المرأة وهمومها ومشاكلها. نسبة كبيرة من المادة الاعلامية التي تنشرها الصحف النسائية مستوردة غربية عن المجتمع العربي الاسلامي (فضائح النجوم والحياة الشخصية للفنانين والمطربين, الخيانة الزوجية, حب النفس, الانانية, الجرائم... الخ) كما نلاحظ كذلك التركيز على الطابع الاستهلاكي وعلى انماط استهلاكية بعيدة كل البعد عن المجتمع العربي الاسلامي... نلاحظ مثلا ازياء وموضات لا تتناسب مع المجتمعات العربية, اعلانات تنشر انماط استهلاكية غربية داخل المؤسسة الاعلامية وهذه القلة تؤدي الى قلة التحقيقات والاحاديث الصحفية والمادة الجادة بصفة عامة, وهذا ما يؤدي الى الاعتماد على الترجمة من المجلات الغربية ووكالات الانباء وبذلك التقليد والذوبان في الاخر. تحديات المستقبل: كانت المرأة في الماضي تطمح ان تكون لها وسيلة او قناة تستطيع من خلالها الوصول الى الرأي العام والتواصل مع المجتمع لطرح همومها ومشاكلها واسماع رأيها للآخرين, لكن ومع الاسف الشديد عندما توفرت لها هذه القناة او القنوات لم تعرف المرأة كيف تستغلها كما ينبغي وراحت تركز على القشور دون الغوص في امهات المشاكل والقضايا التي تهم المرأة بالدرجة الاولى. ومن هنا يتحتم على القيادات الصحفية النسائية في الوطن العربي ونحن مقبلون على القرن الحادي والعشرين ان تضع قطار الصحافة النسائية في الاتجاه السليم وتحاول ان تضع يدها على صحافة مسؤولة, فاعلة, قادرة على ان تكون منبرا حقيقيا لمشاكل المرأة وهمومها وطموحاتها, صحافة تنهض بالمرأة الى مستوى يعكس وزنها وقيمتها الحقيقية في المجتمع صحافة تعمل على صنع الرأي العام واشراك المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها. في عصر الانترنت والقنوات الفضائية والتلفزيون الكابلي والبريد الالكتروني وغير ذلك من تكنولوجيا الاتصال يتحتم على المرأة وعلى الصحافة النسائية ان تخرج من روتين الازياء والموضة واخبار النجوم والفضائح وان تلتزم منهجية واستراتيجية تؤهلها لأن تكون اكثر جدية واكثر فعالية حيث تستطيع المرأة من خلال الصحافة الملتزمة, المسؤولة ان تلعب دورها كما ينبغي وان تكون لها فعالية وان تكون لها كلمتها في الرأي العام وفي المشاركة السياسية وفي اتخاذ القرار فالصحافة الفاعلة هي الصحافة التي تغير والتي تنتقد والتي تصحح والتي تؤثر في مجريات الامور. في الاخير وانصافا لعمل ومجهودات زميلاتنا الصحافيات في مختلف المجالات النسائية والقنوات المختلفة للصحافة النسائية نقول ان واقع الصحافة النسائية في الوطن العربي ليس كله مظلم وسلبي وليس كله ازياء وتجميل وفضائح بل هناك مجهودات تبذل وهناك اعمال تقدم, لكن نقول ان المرأة العربية من الخليج الى المحيط تستحق اكثر بكثير مما قدمته لها هذه الصحافة. فلنكن جميعا عند حسن ظن هذه المرأة التي لم تتهاون يوما في تقديم ما عليها سواء لعائلتها او لمجتمعها او لوطنها. قسم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات