المأزق التفاوضي الفلسطيني واستحقاقات المرحلة الصراعية المقبلة: بقلم - ماجد كيالي

وصلت المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية الى مرحلة جرحة جدا بالنسبة الى طرفيها المعنيين, كما بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية, التي ما زالت حائرة ومترددة ازاء الموقف الواجب اتخاذه لاخراج هذه العملية من الجمود المحيط بها . فالفلسطينيون وهم اكثر الاطراف تضررا جراء الوضع الراهن باتوا اسيري عملية المفاوضات, فلا هم قادرون على الخروج من هذه العملية, او تجاوزها, ولا هم مرتاحون ببقائهم فيها, في اطار وضعها الراهن. اما اسرائيل فتبدو انها سيدة اللعبة, فهي التي تتحكم بقواعدها وبشروطها, وهي التي تقرر ما تعطيه وما لاتعطيه وكيفية ذلك, بحسب تقديرها لاوضاعها, وبما يتناسب مع مزاج رئيس حكومتها وائتلافه المتضارب الاراء. والسلطة الفلسطينية بوضعها الصعب والمعقد هذا تكاد تكون محصورة في عنق زجاجة, حيث الضغوط تمارس عليها من كل الاتجاهات من اسرائيل ومن الولايات المتحدة الامريكية, ومن اوضاعها الداخلية, في ذات الوقت الذي تتصرف فيه حكومة نتانياهو بارتياح كامل, فالولايات المتحدة غير قادرة (حتى الان) على تحويل الافكار التي تطرحها الى مبادرة رسمية, وهي بتفضيلها الاستمرار بدور (الوسيط النزيه) , على حد تعبير مسؤوليها, انما هي في الواقع تقدم التغطية المطلوبة لنتانياهو وحكومته للاستمرار على مواقفهما المتعنتة, اما المعارضة الاسرائيلية فهي ضعيفة وهزيلة, فضلا عن انها لا ترغب بخوض مواجهة جدية مع نتانياهو وحكومته في موضوع التسوية, والوضع العربي برغم الايجابيات الحاصلة ما زال دون المستوى اللازم لايجاد حالة من الضغط على اسرائيل بما يجبرها على تقديم الاستحقاقات المطلوبة منها. ازاء هذه الحال التي وصلتها عملية المفاوضات يجد الطرف الفلسطيني نفسه امام خيارين كلاهما مر: الخيار الاول يتمثل باستمرار الممانعة والاصرار على قيام اسرائيل بتنفيذ التعهدات التي التزمت بها في الاتفاقات الموقعة معه. اما الخيار الثاني فيتمثل في مجاراة الطروحات الاسرائيلية على طريقة (خذ وطالب) , لوضع اسرائيل امام تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة, وهذا الخيار يتضمن في حيثياته مخاطر جر السلطة الفلسطينية الى الفخ الاسرائيلي للاسباب التالية: اولا: لا يمكن لاحد ان يضمن قيام حكومة نتانياهو بتنفيذ المرحلة الثانية من اعادة الانتشار, لان تنفيذ هذه المرحلة رهن مجموعة من الشروط, قد تعجز السلطة الفلسطينية عن الوفاء بها بحكم تعقيدات الوضع الفلسطيني, وبالنظر للمتوالية اللامتناهية من المطالب الاسرائيلية, كما اثبتت التجارب الماضية, هذا فضلا عن ان هذه الشروط التعجيزية ما هي الا ذرائع واهية للتملص من الاتفاقات الموقعة. ثانيا: ان القبول بهذا الخيار يعني ان السلطة الفلسطينية قبلت من حيث المبدأ اعادة التفاوض مع حكومة نتانياهو على كل شيء, مما يجعل كل المكتسبات التي حققتها هذه السلطة قابلة للمراجعة. ثالثا: تحاول حكومة نتانياهو من خلال شروطها الهاء السلطة الفلسطينية بقضايا اخرى غير الاستحقاقات المطلوبة من اسرائيل, واظهارها بمظهر العاجز عن تلبية الشروط الاسرائيلية بما يفيد في تحسين صورة اسرائيل الخارجية. رابعا: ان الموافقة على هذا الخيار ستؤدي الى تضرر مكانة وصدقية السلطة الفلسطينية, فلسطينيا وعربيا, فهذه السلطة ستبدو وكأنها تفضل المواجهة مع شعبها على مواجهة الاملاءات الاسرائيلية. لكل هذه الاسباب, فان السلطة الفلسطينية مطالبة برفض هذا الخيار المذل والمجحف, الذي تحاول اسرائيل فرضه, بكل جبروتها وتعنتها. ويبدو الخيار الاول, برغم صعوباته وتعقيداته, الخيار الاكثر ملاءمة في الظروف الفلسطينية والعربية الراهنة, الامر الذي يفترض ضرورة الاستعداد جديا لخوض مرحلة صراعية طويلة ومعقدة مع حكومة نتانياهو, حيث تدل المؤشرات بان هذه الحكومة قد تستمر في السلطة حتى موعد الانتخابات الاسرائيلية المقبل في العام 2000. وبالنظر الى ان موعد استكمال فترة الحكم الذاتي الانتقالي ستكون في مايو من العام المقبل 1999 فان السلطة الفلسطينية ستواجه هذا الاستحقاق في ظل حكومة نتانياهو, مما يعني احتمال خوض مواجهة سياسية ودبلوماسية وشعبية متعددة المستويات. ازاء كل ذلك, ونظرا لطبيعة وحساسيات الحالة الصراعية الآتية فان السلطة الفلسطينية معنية بمراجعة سياساتها وادارتها لاوضاعها واعادة ترتيب اوراقها بما يمكنها من مواجهة الاستحقاقات السياسية المقبلة. ولعل السلطة الفلسطينية معنية بالاساس باعادة الاعتبار لمسألة الحوار الوطني الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية, وتفعيل المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات المصيرية, ولكن مع اهمية وضرورة كل ما يمكن ان تفعله السلطة الفلسطينية لتطوير وتفعيل وتصويب ادائها داخليا, فان للعمل على اعادة الاعتبار للبعد العربي للقضية الفلسطينية اهمية كبرى, للصمود في وجه الاملاءات الاسرائيلية ولمواجهة الاستحقاقات السياسية المقبلة. لقد شكل العامل الوطني الفلسطيني دوما شرطا لازما لاحياء القضية الفلسطينية وللتعبير عن وجود الشعب الفلسطيني, ولكن لايجاد حل عادل لهذه القضية ولتحقيق اهداف هذا الشعب ينبغي ان يتحقق تضافر العامل الوطني ـ الفلسطيني مع العامل القومي ـ العربي, حيث يمكن ان يتحقق حينئذ الشرط الكافي المطلوب, وما احوج الوضع الفلسطيني الى هذا الوضع, وهذه المسألة مسؤولية فلسطينية اولا ولكنها اساسا مسؤولية عربية بامتياز.

تعليقات

تعليقات