التميز ترف أم حاجة؟ بقلم - د. خليفة علي السويدي

خلال هذا الاسبوع وبالتحديد في الفترة ما بين 16-18 مايو من هذا الشهر نظم قسم التربية الخاصة بكلية التربية ــ جامعة الامارات بالتعاون مع المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين المؤتمر العربي الاول لرعاية هذه الفئة المتميزة من الناس وطرحت في المؤتمر العديد من الابحاث العلمية زادت على الاربعين دراسة كان منها: بحث (تصور تكاملي لرعاية الاطفال الموهوبين والمتفوقين) ــ للدكتور مصري عبد الحميد حنورة, حيث قدمت الدراسة تصورا تكامليا لرعاية الاطفال الموهوبين والمتفوقين يعتمد اساسا على العلاقة الدينامية الوظيفية بين ابنية الاجهزة النفسية والاجتماعية المرتبطة بوجود الانسان. وكذلك دراسة (طرق اساليب اكتشاف الطفل الموهوب والمبدع) ــ للدكتورة عبلة ابراهيم, وكان الموضوع الطرق والاساليب التي يمكن عن طريقها اكتشاف الطفل الموهوب والمبدع وذلك من خلال عرض لبيان اهمية الابداع والموهبة في حياتنا, والعلاقة بين الابداع والذكاء , وتعريفات في الابداع, والقدرات الابداعية الاساسية, والعوامل التي تساهم في اكتشاف وتنمية ابداع الطفل ودور الاسرة, مرحلة الحضانة, والمدرسة الابتدائية, والمرحلة الثانوية, والجامعية, والمناهج وطرق التدريس والمعلم, وكيفية تنمية التفكير العلمي المنهجي لدى النشء والنظام التربوي والمناخ الثقافي العام, ومراكز تنمية الابداع. وبحث (المناهج الفارقة للمتفوقين الموهوبين بين الواقع والمأمول) ــ للدكتور اسامة حسن معاجيني, وهدفت الدراسة لاعداد نموذج مقترح لمنهج للمتفوقين والموهوبين من خلال ادخال تعديلات جوهرية على المنهج التقليدي. كذلك دراسة (المناهج الدراسية للمتفوقين) ــ للدكتورة عزة غانم, وتناولت البرامج والمناهج الخاصة بالمتفوقين وذلك من خلال عدة محاور. ودراسة (برنامج كورت لتعليم التفكير) ــ للاستاذة عالية توفيق فضا, ناقشت برنامج كورت لتعليم التفكير عند الطلاب (لادوراد دي بونو) ــ وكذلك بحث (مشكلات الطلبة الموهوبين والمتفوقين وارشادهم ــ للدكتور سليمان الريحاني, ناقش المشكلات التي تواجه الطلاب الموهوبين والمتفوقين, ومدى الحاجة الى الخدمات الارشادية. وبحث آخر (اساليب الكشف عن المتفوقين والمبدعين) ــ للدكتورة مها زحلوق, تناول البحث اساليب الكشف عن الموهوبين المتفوقين من خلال التعريف بماهية الابداع والتعريفات التي تناولت تلك المفاهيم والمصطلحات. ولن اخوض, في هذا المقال, في تفاصيل هذه الدراسات ولكنني كمشارك في المؤتمر طرحت على نفسي هذا السؤال وبالذات عند مناقشة اوراق العمل المرتبطة بتجارب الدول العربية, هل رعاية الموهوب والمتفوق ترف تربوي لا داعي له وهو تقليد لغيرنا؟ ام هو حاجة وطنية مهمة لابد من القيام بها؟ أــ التباين لأن هذا اللقاء يشكل الاجتماع العربي الاول المتخصص في رعاية هذه الفئة من الناس ظهر التباين واضحا في تعريف المشاركين لهذه الفئة الخاصة مما دفع بعض الزملاء الى اقتراح مهم يقوم به المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين الا وهو العمل على اخراج قاموس عربي للمصطلحات المستخدمة في الموهبة والتفوق توحيداً لهذا الشتات العربي وتجاوزاً عن هذه الخلافات. وعادة ما يشار بالتفوق الى التفوق التحصيلي HIGH ACHIEVRMENT وهو الحصول على معدل فوق مستوى الاكثرية من الاقران, وعادة ما يرمز لذلك بمعدل 90% فما فوق او بتقدير امتياز في الجامعات واما الموهبة TAENT أو الموهوبة GIFTEDNESS فغالباً ما تشير الى (الفرد الذي يملك استعداداً فطريا وتصقله البيئة الملائمة, وبذلك فالموهبة تبدو في الغالب في مجال محدد مثل الموسيقى او الشعر او الرسم... الخ. ب ــ التناقض بالرغم من وجود بعض التجارب الناجحة لرعاية الموهوبين والمتفوقين في الدول العربية يلاحظ الدارس لهذا الموضوع وجود تناقض بين ما هو مكتوب في لوائح انظمة وزارات التربية وبين واقع العملية التعليمية فلا توجد دولة عربية الا وتؤكد على اهمية رعاية هذه الفئة المتميزة, ولكن لا يوجد الا القليل من التجارب العربية الناجحة في هذا الميدان والغالب على الواقع العربي ان ما يكتب لا يجد له واقعا في الحياة العملية, وان وجدت بعض المحاولات فهي طارئة؛ لانها تمثل قناعات بعض المهتمين فاذا ترك هذا الانسان منصبه لسبب او لآخر انتهت هذه التجربة, كذلك يلاحظ الباحث وجود الجهود المبعثرة على مستوى الدول وبلغة اخرى, غياب الخطط الاستراتيجية للدول العربية لرعاية الموهوب والمتفوق وبعد هذا كله هل نحن بحاجة الى هذا النوع من الرعاية في الوطن العربي؟ احسب ان الاجابة تأتي بنعم لعوامل كثيرة اهمها: (1) العوامل السياسية عند البحث عن اسرار تقدم الدول الحديثة نجد ان من ضمن هذه العوامل اهتمامهم ورعايتهم لاهل الموهبة والتفوق بتخصيص المدارس والبرامج والجامعات الخاصة بهم لانهم يمثلون مستقبل هذه الدول فالدول الحديثة لا تقاد الا باهل العلم والاختصاص, وكلنا يعرف قول العربي: العلم يبني بيوتا لا عماد لها - والجهل يهدم بيت العز والكرم ومن اجل ذلك اوجدت هذه الدول القوانين واللوائح التي تسهل على المبدعين دورهم ونشاطهم كقانون الملكية الفكرية مثلا, مما دفع المتميزين من الطلاب الى هجرة دولهم والاستقرار في الدول المتقدمة وهذا ما يعرف بهجرة العقول العربية فهناك الآلاف منهم في الدول الغربية, ولو أردنا نهضة الدول العربية لابد من العمل على استقطاب هؤلاء الأفراد من مهاجرهم وكذلك لابد من توفير البرامج الخاصة للموجودين منهم على تراب العالم العربي, وما تجربة الكيان الاسرائيلي عنا ببعيدة حيث قامت تجربتهم على استقطاب العلماء اليهود من كل جوانب الارض, ويوجد لديهم اليوم عشرات المراكز التي تعد علماء المستقبل. (2) العوامل الاجتماعية ان التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها امة العرب اليوم لن نخرج منها بحلول تقليدية بل لابد من وجود الطرح العلمي المبدع للخروج من هذه الازمات, ومثل هذه المسائل لا توجد عند الكل بل هي كنوز مدخرة عند الفئة المتميزة من البشر الذين لن تكتشف كنوزهم ببرامج تربوية تقليدية بل لابد من وجود البرامج الخاصة بهم لرعايتهم وتنميتهم حتى يقطف المجتمع نتائج الابداع. (3) العوامل العلمية تؤكد الدراسات العلمية الحديثة ان الوراثة لها دور اساسي في وجود المتميزين بين البشر, ولكنها ليست هي العامل الوحيد الذي يؤدي الى نجاحهم في الحياة فالتنشئة الاجتماعية لها دور مهم ومن هنا وجدت البرامج والخطط المدروسة التي تساعد هذه الفئة المميزة في تطوير قدراتها وتحويلها من مرحلة الاستعداد الفطري الى حد المهارة المطلوبة وفي حالة عدم وجود هذه البرامج والمحاضن الخاصة بها قد تجرفها رياح التنشئة الاجتماعية الى استثمار قدراتها في هدم المجتمع بدلاً من بنائه. كانت هذه اطلالة على المؤتمر الاول للموهوبين والمتفوقين على امل ان تشكل النقاط المذكورة ميداناً للحوار والنقاش بين المهتمين في دولة الامارات لنصل الى خطط استراتيجية لرعاية هذه الفئة المميزة من البشر والتي طالما اغفلناها وكان اهتمامنا منصباً على غيرها تحت شعار انها ليست بحاجة الى رعاية. وكيل كلية التربية ــ جامعة الامارات*

تعليقات

تعليقات