ابجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

الكتابة الصحفية اليومية, همü ومأزق ومتعة!! وعليه فالمبتلى بهذا النوع من الكتابة يبقى مصلوبا على مداخل الناس والمدن, ومنفيا في مساحات على اتساعها تبقى خانقة وضيقة من وجهة نظره . انه في الوقت الذي يقرر فيه الكاتب ان يطلق خيوله الجامحة من صدره على صفحة النفي البيضاء, لينعم بالراحة وليتنفس كما الجميع, يكتشف بان الصفحة قد صادرت حريته, وصارت على صغرها اكبر من حجم الغربة واشد رعبا من كل المنافي والسجون! على الصفحة البيضاء, يفرغ الكاتب يوميا, جزءا مما في نفسه, ولكن ليس بسهولة, فهذا الذي انسكب من نفسه, سيكون غدا مشرعا للريح, والاف العيون والآذان, وهنا يتألق الحذر في داخله كما لم يفكر ان يفعل من قبل, ويظل الهم والمأزق والمتعة تجلجل في داخله طوال النهار.. والنهارات القادمة. همü البدء باطلاق سراح المخبوء الذي ربما يروضه نقاء البياض, وربما يغريه بمزيد من المشاكسة والشراسة, ومأزق القبض على الجزء الافضل من ذاك المخبوء وقلق البحث عن الافضل جزء من هذا المأزق اليومي, ثم تأتي متعة الفرجة على هذه الخيول تتراكض جامحة امام عينيه اولا ثم امام الاف العيون, والمتعة الكبرى يوم تسبق الجميع. ليس سهلا, أو عاديا ان تكتب للناس في صحيفة, وخرافى ان تكتب لهم وعنهم كل يوم, ولأجل لا تدريه انت ولا اي احد آخر, الشرط ان تكتب بصدق وواقعية لا اكثر ولا اقل. من هنا, فليس مطلوبا من الكاتب اكثر من تلبس الجرأة, ونثر الاسئلة القلقة في فضاء راكد, ليس امامه اكثر من نفخ الرماد بحثا عن النار الباحثة عن راحة الانطفاء! اما الباقي فله ابطال آخرون. لكل المتسائلين عن ما بعد الكتابة نقول: في البدء تكون الكلمة, وفي المنتهى تأتي الكلمة, وما بينهما فضاء واسع يقوم كل فيه بدور, ومن الظلم ان نقوم بكل الادوار. كيف يمكنكم ان تكتبوا يوميا؟ ومن اين تأتون بكل هذا الكلام؟ في المهنة تواجهك اسئلة بهذه البراءة او المأساوية ربما, لكنك مضطر لان تجيب احيانا, وحين تهم بذلك, تجد انك تقع في شرك السؤال, وبأنه لا اجابة, لانك لاتدري في الحقيقة كيف واتتك القدرة وكتبت كل ذلك ذات يوم. الكاتب ــ يقينا ــ يقرأ ويبحث وينظر ويستمع بشكل جيد, ويدير الكثير من الحوارات والنقاشات, ويمر بتجارب حياتية يومية ومستمرة, ولكنه يفعل كل ذلك بشكل مخالف عن الآخرين لانه بكل ذلك الزاد سوف ينطلق يوميا الى المرافىء التي تنتظره كل صباح, بشوق وبلا رحمة! الكتابة ليست ملء فراغ في صحيفة, او زاوية نلقيها هكذا وكيفما اتفق, وعندما نؤمن ان الكتابة فعل تغيير, فلاشك اننا سنكون على يقين بانها تستلزم مواصفات واستعدادا من نوع خاص جدا, والاهم انها تتطلب انتماء عالي الحس لكل كلمة نظن باننا قلناها واسترحنا, في حين ان العكس هو الصحيح.

تعليقات

تعليقات