دول التعاون ومعايير العمل الدولية : بقلم- حسن العالي

عقد في البحرين الاسبوع الماضي اجتماع الدائرة المستديرة بين منظمة العمل الدولية ووزراء العمل والشؤون الاجتماعية في دول مجلس التعاون الخليجي وذلك لمناقشة موقف دول المجلس من مشروع اعلان الحقوق الاساسية للانسان في العمل والذي سوف تتم مناقشته في الدورة المقبلة لمؤتمر العمل الدولي. وحول هذا الموضوع قال عبد النبي الشعلة وزير العمل البحريني في ختام الاجتماع انه تم الاتفاق على اهمية هذه المبادىء واهمية الاتفاقيات التي تتبناها منظمة العمل الدولية الا انه يجب الاخذ في الاعتبار ظروف كل منطقة وكل دولة وخصوصياتها وكذلك هيكلة سوق العمل فيها. ويذكر ان مؤتمر منظمة العمل الدولية الذي عقد بدايات العام الماضي قد شهد مواجهات ساخنة بين الدول العربية والنامية من جهة والدول الصناعية من جهة اخرى, بعد ان تقدمت المنظمة بمقترحات احدثت معارضات جادة خلال جلسات المؤتمر. وقد نصت المقترحات آنذاك على اصدار اعلان عن المؤتمر يقرر ان احترام الدول الاعضاء في المنظمة للحقوق الاساسية للانسان المتمثلة في الحرية النقابية والمفاوضات الجماعية وحظر العمل الجبري, وان تقوم منظمة العمل الدولية باجراء تقييم شامل لواقع الجهود التي تبذلها كل دولة عضو لترجمة التحسينات الاقتصادية الناتجة عن تحرير المبادلات الى واقع اجتماعي افضل بالاضافة الى اصدار علامة اجتماعية عالمية تمنح للبلدان التي تلتزم بمجموعة تفتيش دولية بحيث يكون من حق كل دولة من الدول منح المنتجات المصنوعة على ارضها حق الانتفاع من العلامة الاجتماعية العالمية المقترحة شريطة ان تقبل هذه الدول الالتزامات الناشئة عن ذلك وان تخضع لشروط التحقق في الموقع. واكد ممثلو دول مجلس التعاون والدول العربية آنذاك ان هذه المقترحات تهدف ومن الناحية العملية الى سحب بساط المنافسة ــ بل وحتى التصدير ــ في الاسواق العالمية من تحت سلع الدول النامية التي لن تتمكن من الحصول على العلامة الممنوحة لها من قبل منظمة العمل الدولية. وهذا يفضح جانب اساسيا من الاهداف الحقيقية لهذا المقترحات, خصوصا ان منتجات الدول النامية التي تعتمد على تكثيف عنصر العمل اصبح لها قدرة تنافسية مع منتجات الدول المتقدمة في الاسواق العالمية, ويقول هؤلاء انه ولمواجهة هذا الوضع اتجهت الدول المتقدمة لاستخدام منظمة العمل الدولية كستار تحقق من ورائه امكانية سلب الميزة النسبية التي تتمتع بها الدول النامية من خلال انخفاض تكلفة عنصر العمل فيها وحرمانها من حقها في الربط بين مستويات الحماية الاجتماعية من ناحية ومستويات التنمية السائدة فيها من ناحية اخرى, ومن ثم الحد من القدرة التنافسية لمنتجات الدول النامية في الاسواق العالمية, ومن هنا جاءت محاولات الدول المتقدمة للربط بين معايير العمل الدولية وحرية التجارة العالمية لايجاد حماية جديدة لمنتجاتها تعوض به ما فقدته نتيجة جولة اورجواي. وعلى الرغم من التأكيد على اهمية مبدأ احترام حقوق الانسان في جميع دول العالم, الا ان استخدام الدول المتقدمة منظمة العمل الدولية لتحقيق مصالحها على حساب الدول النامية بعد ان عانت الدول المتقدمة بعد توقيع اتفاقيات اورجواي من تخفيض تعرفتها الجمركية بنسبة اكبر من نسبة التخفيض التي التزمت بها الدول النامية يكشف زيف ادعاءات الدول المتقدمة للدفاع عن الحقوق الاساسية للانسان لان الدفاع هنا جاء من اجل التعويض عن ذلك الوضع الناتج عن التفاوت ولسلب المميزات التي تمتعت بها الدول النامية. ان مجلس التعاون الخليجي يتميز بخصوصيات يجب اخذها بعين الاعتبار عند تقرير التزامها بالاتفاقيات الدولية, ومن ابرز هذه الخصوصيات انه قد مضى حوالي ثلاثة عقود فقط على حصول غالبية دول مجلس التعاون الخليجي على استقلالها وانضمامها الى الاسرة الدولية, واصبحت تشارك بفاعلية في بناء وتطوير المجتمع الانساني جنبا الى جنب مع دول سبقتها بقرون طويلة في تنظيم اسواق العمل وتطوير التشريعات العمالية, ومن ناحية ثانية فان هناك خصوصية اخرى تتميز وتنفرد بها هذه الدول تتمثل في اعتمادها المكثف على العمالة الاجتماعية التي يقدر حجمها الان بما بين 5.5 الى 6 ملايين عامل وتشكل نسبة تقدر بحوالي 80% من حجم القوى العاملة في القطاع الخاص في هذه الدول, وهو امر لم تشهده اي منطقة في العالم من قبل. وليس هناك ادنى شك في ان التفاوت الزمني في التطوير الاقتصادي والاجتماعي والتشريعي والاعتماد المتزايد على العمالة الاجنبية يحتم على منظمة العمل الدولية ابداء المزيد من المرونة والتفهم لظروف هذه المنطقة وخصوصيات دولها, كما انه يفرض في الوقت نفسه ضرورة اعطاء الفرصة لهذه الدول لتطوير انظمتها ومؤسساتها بالشكل الذي يتفق مع تراثها وحضارتها وتقاليدها ومعتقدات شعوبها, مما يؤدي الى ايجاد الوسائل النابعة من الواقع والمعتمدة على الذات لتحقيق المبادىء والقيم التي تدعو اليها المنظمة, بدلا من ان يتم فرض عليها قوالب مستوردة, ومن ناحية ثالثة فان خصوصيات دول مجلس التعاون الخليجي تفرض على المنظمة ضرورة تشجيع المبادرات الايجابية مهما كانت طبيعتها وحجمها في اتجاه تنفيذ معايير العمل الدولية, وتقدير التطور التدريجي في هذا المجال واتباع اسلوب التعاون والتشجيع والحوار, بدلا من اساليب الضغط والمواجهة. وبهذا الصدد يقول وزير العمل البحريني ان الضرورة التي فرضت على دولنا الاستعانة بالعمالة الاجنبية بشكل مكثف أدت الى خلق الملايين من فرص العمل لعمال من مختلف دول العالم غالبيتهم العظمى من الدول النامية مما ساهم في تخفيف حدة البطالة في تلك الدول, ووفر التدريب على رأس العمل لهذه العمالة وطور مهاراتها وجعلها اكثر كفاءة وقدرة على المساهمة في نمو بلدانهم عندما يعودون اليها, وفي هذا السياق فان بلايين من الدولارات تنساب كل عام في شكل تحويلات نقدية تضخ في اقتصاديات تلك الدول وتساهم في تطورها ونموها, وفي مقابل ذلك فان تواجد هذه العمالة في دولنا وتفاعلها مع مجتمعاتنا ساهم في تحقيق النمو الاقتصادي واكسبها واكسب شعوب دولنا المزيد من الفهم المتبادل لثقافة وحضارة دولنا ودولهم, مما يساهم دون شك في تحقيق الاستقرار والسلام العالمي ولقد كان ابواب اسواق العمل في دولنا مفتوحة ولاتزال لسد الحاجة من العمالة الاجنبية, من غير تفرقة او تمييز فيما يتعلق بالجنس او الجنسية او اللون او الدين او غير ذلك من صور التمييز, وهي مبادىء ارستها قوانين العمل في دول مجلس التعاون الخليجي. وبالتالي فان الاخذ بمقترحات منظمة العمل الدولية سوف يؤدي من الناحية الواقعية الى زيادة حدة مشكلة البطالة في الدول النامية نتيجة ركود وعدم تسويق منتجاتها, ان الدول المتقدمة تريد الحد من تدفق رؤوس الاموال للاستثمار في الدول النامية لانخفاض تكلفة عنصر العمل فيها, ومن هنا اتجهت هذه الدول الى استخدام منظمة العمل الدولية لتحقيق هذا الهدف من خلال الربط بين معايير العمل الدولية واتفاقيات التجارة الدولية حتى يتجه رأس المال اتجاها عكسيا للاستثمار في الدول المتقدمة بعد ان تفقد الدول النامية الميزة النسبية التي تتمتع بها وهي انخفاض تكلفة عنصر العمل فيها.

تعليقات

تعليقات