أحرار في الموت. أم أحرار في الحياة: بقلم- توجان فيصل

مشكلة الفلسطينيين في تفاوضهم مع اسرائيل لا تتمثل في تعنت الجانب الاسرائيلي او نتانياهو على وجه الخصوص, بل في كون الفلسطينيين قد اسقطوا البدائل لما أسموه بالمفاوضات السلمية. وقبل البدائل اسقطوا كل مستلزمات البنية التحتية الاساسية للدولة التي يطالبون بها , وتخلوا عن كامل حقوقهم لسلطة غير موجودة على الارض كسلطة, ولمفاوض لم يبق في يده ما يفاوض عليه. وبما ان عرفات يتحدث عن اعلان (دولة) ويهدد بهذا باعتباره خياره النهائي وسلاحه الفتاك في وجه استمرار تعنت اسرائيل, فان السؤال التالي هو عن مدى امكانية اقامة مثل هذه الدولة فعلا على غزة واريحا وبقعة معزولة في الخليل تربطها معابر تتحكم فيها اسرائيل, وفي ظل اتفاقية اوسلو التي اعطت هذه المعابر وما أسمته (بأمنها) لاسرائيل.. فكيف سيحكم (رأس الدولة) الجديد عرفات وجهازه (الحكومة) هذه البقع الصغيرة المتناثرة, ام هل تكون حكومة في المنفى وهل المنفى هو غزة بعيدا عن اريحا وبعض مناطق الخليل, ام عن غزة والخليل؟؟!! واذا كان الامر في النهاية حكومة منفى, فلماذا لم يعلنها عرفات من قبل في الخارج, دون التورط بهكذا اتفاقية, ويبقي كامل الارض المحتلة جمرة من المقاومة في حضن اسرائيل بدلا من ان يتعهد لها هو بقمع هذه المقاومة كدليل على كونه (سلطة فلسطينية) وماذا عن بقاء هذه البقع الصغيرة من الحكم الذاتي تحت سيطرة عرفات فعلا اذا اعلن دولته لان نتانياهو لا ينفذ اوسلو؟؟ ماذا لو نفذ نتانياهو من اوسلو تلك البنود التي تسمح له بدخول تلك المناطق ثانية باعتبارها تهدد أمنه؟؟ وماذا عن تنفيذ اتفاقية الخليل ايضا والتي وافق فيها عرفات وتعهدت امريكا بان يكون قرار, ليس الانسحاب الاسرائيلي ـ فهذا غير مطروح اساسا ـ وانما مجرد اعادة الانتشار امرا تقر حجمه ومساحته وزمنه ومكانه اسرائيل وحدها حسب متطلباتها الامنية, وكما ترى هي هذه المتطلبات؟؟!! وماذا عن مسؤولية رأس الدولة والحكومة الفلسطينية عن مواطني هذه (الدولة) وفي مقدمة هذه المسؤولين توفير الامن والحماية لهم؟؟ ماذا عن الامن الاقتصادي وبالذات الغذائي فيما اذا فرضت اسرائيل حصارا اخر جديدا على تلك البقع الجغرافية المسماة مناطق الحكم الذاتي والتي ستكون وحدها ـ رغم ادعاء عرفات انه سيعلن دولته على كامل الارض الفلسطينية الممثلة عام 67 ـ مناطق (الدولة) الفلسطينية الجديدة؟؟ وماذا حتى عن الامن الجسدي, وعرفات ذاته, وقبل اعلان دولته, وفي اجتماع وزراء خارجية العرب الاخير, طالب بحماية دولية للفلسطينيين من الاعتداءات التي يتعرضون لها والتي قد يتعرضون لها على يد المستوطنين اليهود وجيش الاحتلال الاسرائيلي!! وهذا يوضح ان مسار التفاوض الذي اختاره عرفات والاتفاقيات التي وقع عليها (اوسلو1 واوسلو 2 والخليل) وغيرها من الاتفاقيات العلنية والسرية, لم تزد عن كونها اسقاطا ليس فقط لخيارات التسوية واسلحتها التفاوضية, بل ايضا لاهم مستلزمات (الدولة) التي هي الهدف النهائي لاي تفاوض. فالمقاومة الفلسطينية المسلحة ليست مجرد البديل والظهير والسلاح الاستراتيجي للسياسي المفاوض, وانما هي ايضا مصدر الامن والحماية للشعب الفلسطيني اثناء الاحتلال. فالمقاومة المسلحة الشعبية هي بديل الجيش لحين اعلان الدولة وليس الشرطة الفلسطينية التي يمكن للاسرائيليين تحديد عددها وعدتها, بل ومهامها, وحتى الغاءها والقضاء عليها ان لزم ذلك (لأمن) اسرائيل. ولعل اكبر خطأ, بل واكبر تناقض منطقي وقعت فيه السلطة الفلسطينية, هو ترحيبها بفكرة القضاء على اية تعددية يمكن ان تشكل منافسة لها مستقبليا على السلطة, او تشكل على الاقل محاسبة شعبية لها, باسم القضاء على الارهاب ـ حسب التعريف الاسرائيلي الامريكي ـ او رفض (الدولة داخل الدولة) و(ازدواج السلطة) كما تترجم السلطة الفلسطينية هذه المقولة بصيغة تحاول ان تكون اكثر قبولا لدى الفلسطينيين والعرب.. والتناقض هنا يبدأ من ان من يرفض ازدواجية السلطة عليه ان يحصل على تلك السلطة اولا, ومن يرفض وجود دولة داخل دولة, عليه ان يضحي ويحقق على ارض الواقع (قيام) تلك الدولة اولا.. وهذا يقودنا الى مربط الفرس ـ الى ما تم التفريط به فلسطينيا ـ كما عربيا ـ من اهم سلاح استراتيجي لخوض اية معركة, سواء سميت معركة تحرير حربية او معركة سلام, الا وهو الديمقراطية وما يتبعها من تعددية وقرار شعبي ومحاسبة شعبية. فنتانياهو لا يرفض لانه (متعنت) , ولكنه يرفض لان اغلبية الشعب اليهودي وممثلي تلك الاغلبية في الحكومة والكنيست ترفض ان يتنازل نتانياهو عن جزء بسيط مما نسميه نحن تعنته.. بل وترفض ان يطبق نتانياهو الاتفاقات التي وقعت عليها حكومات سابقة انتخبت ايضا بديمقراطية وتتمتع بذات الشرعية الشعبية التمثيلية.. ولو ان اسرائيل بأكملها لا تتمتع بأية شرعية لا كشعب ولا كدولة.. ولا مجال للدعوات اليائسة التي تطلقها السلطة الفلسطينية من ضغط اوروبي او امريكي على نتانياهو, فالغرب الذي اعترف باسرائيل تدعمت لديه شرعية اسرائيل بمعيار اساسي اول هو الديمقراطية. فهو الان يتعامل مع شعب وارادة شعب حسب مفهومه. والضغط على دكتاتور اسهل من الضغط على شعب بأسره, هذا اذا لم تقل باستحالة الضغط على الشعوب.. وهذا ما قاله صراحة يوليا بن مناحيم, المراسل الاسرائيلي الصحفي لهيئة الاذاعة البريطانية بعد فشل ما سمي بقمة لندن.. وبكل جرأة ومتمتعا بدعم الديمقراطيات الغربية, وفي مقدمتها امريكا واوروبا, يقول بن مناحيم ان الضغط يمكن على عرفات, لهذا على عرفات ان يتنازل.. بينما لا يمكن لنتانياهو ان يتنازل عن اي شيء ولو كان مقرا في اوسلو ومضمونا ـ سابقا ـ من امريكا ذاتها, لانه ـ كما يقول بن مناحيم (طبيعة النظام في اسرائيل تختلف عن طبيعة النظام في السلطة) , ومن هنا فان عرفات يعتبر صحة هذا الفارق بين الديمقراطية والدكتاتورية (صاحب قرار) , كما قال بن مناحيم. ويمكنه بالتالي ان اراد او ان تم الضغط عليه, ان يقرر التنازل عن المزيد من الحقوق العربية, بينما لا يملك نتانياهو مثل هذه (الحرية) في اتخاذ القرار كون غالبية اعضاء الحكومة الاسرائيلية والكنيست ترفض تراجع نتانياهو عما طلبه باسمها, سابقا. وفي هذا التراجع (خطر) على نتانياهو , حسب قول بن مناحيم, وقوله صحيح..

تعليقات

تعليقات