أبجديات :بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

صدق من قال أن التاريخ يعيد نفسه. وقد فعلها التاريخ كثيرا وبالذات في ميدان الممكن, وميدان الممكن اليوم وغدا هو السياسة . التاريخ وليس الجغرافيا او الاعلام هو الذي سيحسم أمر سوهارتو في اندونيسيا. الذي يجري على جغرافيا شرقية بحتة في اندونيسيا يعيد الى الذاكرة كل ما قرأناه وعرفناه عن ذلك الجحيم الذي انفجر على الارض الفرنسية في يوم من أيام القرن الثامن عشر وتحديدا في عام ,1789 اليوم الذي بدأت فيه احداث الثورة الفرنسية بسقوط سجن الباستيل الرهيب. اليوم تغلي اندونيسيا وتميد جاكرتا تحت أقدام سوهارتو والعائلة (الحاكمة المالكة) ! وأعمال النهب والحرق والمواجهات تذكر بذلك المشهد البعيد جدا.. الحاضر في ذاكرة الايام دوما, والمستعد للخروج من العمق والسفر من المجهول الى الحاضر في لمح البصر!! سوهارتو ليس كل القضية, لكنه رمز الشر الذي فجر ثورة الطلاب وكل الشعب الاندونيسي, والجيش الذي يراهن عليه سوهارتو لقمع (الشغب) لن يقف طويلا متماسكا لانها ليست اعمال (شغب) انها ثورة شعب, وهناك فرق شاسع. لويس السادس عشر اعتقد ان القضية ازمة مالية تسبب هو فيها ببذخه واسرافه وحاشيته, وزوجته (ماري انطوانيت) وهو الحاكم بأمره في امبراطورية لويس السادس عشر. اعتقاد لويس السادس عشر جعله يأتي بوزراء مالية, الواحد تلو الآخر ليحلوا له الاشكال المالي, الذي سينهي كل الاشكاليات الاخرى المتأججة على الارض كما تصور. لكن واقع الأمر لم يكن محصورا في اعماق الخزينة الفرنسية فقط, الاشكال كان اكبر من ذلك, والشعب وصل في زحفه الرافض الى تخوم قصر (فرساي) وفوجئت الامبراطورة ومع ذلك فإنها لم تعدم وسيلة لالهاء الشعب او محاولة إلهائه بالبسكويت! كما وجهت (امبراطورها) الى الهرب والاستعانة بالملكيات الاوروبية المجاورة والتصريح بأنه سوف يتخلى عن الحكم, وهذا بالضبط ما فعله سوهارتو! ولم ترحم جماهير فرنسا الهائجة امبراطورها وزوجته, واسلمت رأسيهما للمقصلة عام 1793. لقد حاول سوهارتو امتصاص جزء من غضب الشعب باعلان اعتزامه الغاء زيادات أسعار الوقود, وقطع زيارته لمصر وعاد لمعالجة هذا الانزلاق الذي تذهب فيه البلاد عميقا. سوهارتو هو الآخر يقع في مأزق التأويل والتخمين, بحثا عن الاسباب والمسببات التي فتحت عليه ابواب الجحيم بهذا الشكل, وقد وقع في تناقضات التبرير وعشوائية طرح الحلول, السبب ان الظرف الذي يعيشه سوهارتو غير ملائم تماما لاي بحث وتأويل. تماما كما كانت عام 1789 مخبأة تحت وسائد (ماري انطوانيت) المترفة, وفي قصور عمات الامبراطور الفرنسي وقصور بقية اصحابه وندمائه. اذن فلا أمل أمام سوهارتو بعد ان فقدت العملة 80% من قيمتها واصيبت البلاد بالشلل الكامل واغلقت البنوك أبوابها وأجلت الدول العظمى رعاياها.. ليس امام سوهارتو سوى انتظار حكم التاريخ.

تعليقات

تعليقات