قراءة في اتفاق نيروبي لتسوية مشكلة جنوب السودان: بقلم - رياض أبو ملحم

ليس من الواضح حتى الآن ما اذا كان اتفاق نيروبي الذي أعلن في الخامس من الشهر الجاري بين الحكومة السودانية و(الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان)بقيادة العقيد جون قرنق, في شأن مصير الجنوب السوداني, سيضح حدا نهائيا لهذا الصراع المسلح الطويل الأمد . فحرب الجنوب استنزفت امكانات السودان البشرية والمالية والاقتصادية وحالت دون تطوره الانمائي, كما سمحت بتدخلات دولية مختلفة, فضلا عن تأثيراتها الداخلية السلبية اللا محدودة. فالاتفاق, على اهميته, انطوى على ثغرات عديدة مهمة وترك مجموعة في القضايا الرئيسية معلقة, حيث يمكن أن تؤدي كل واحدة منها إلى نسف ما تم انجازه. وفي الواقع فإن ما جرى التوافق عليه, بحسب الإعلان الصادر عن (الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف (إيفاد) التي رعت اجتماعات الطرفين في العاصمة الكينية, يتعلق بنقطة وحيدة هي اجراء استفتاء شعبي حول تقرير مصير جنوب السودان, تحت إشراف دولي مناسب, فإما أن يختار مواطنو الجنوب البقاء مندمجين في آطار سودان موحَّد, وإما أن يقرروا الانفصال فتكون لهم دولتهم المستقلة. ولكن حتى بالنسبة لهذه النقطة بالذات فقد جاء الاتفاق حولها مفاجئا تماما, ذلك أن طرفي النزاع لم يضعاها بين اقتراحاتهما المتداولة سابقا. فالحكومة السودانية تؤكد دائما على وحدة السودان, وترفض أي بحث في تقسيمه إلى دولتين على أساس طائفي أو عرقي أو غير ذلك من الدوافع والذرائع. كما أن قيادة ( الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان) تشدِّد بدورها على أنها لا تهدف إلى الانفصال عن الشمال وأنها تريد إقامة دولة كونفيدرالية يتواصل فيها الارتباط بين الشمال والجنوب. وبقدر ما بدا الاتفاق سريعا ودراماتيكيا, في هذا الجانب على الأقل, فإنه ترك تساؤلات كثيرة حول عدد من العناصر المتصلة به اتصالا وثيقا. ومن ذلك مثلاً: 1 ــ لم يتم الاتفاق بين الطرفين على موعد الاتفاق الخاص بتقرير المصير. فالحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان ترى أن فترة سنتين تكفي للمرحلة الانتقالية المتفق عليها لاستعادة المناطق التي كانت مسرحا للحرب الأهلية المديدة اوضاعها الطبيعية وعودة النازحين, وبالتالي إعداد المواطنين للاستفتاء المرتقب, في حين تعتقد الحكومة السودانية أن الأمر يحتاج إلى فترة أطول تقدَّر بعدة سنوات. ومن المفترض أن تكون هذه المسألة إحدى نقاط البحث في الجولة التالية من المفاوضات المقررة مبدئيا في شهر يوليو المقبل. 2 ــ خلال مناقشة قضية تقرير المصير في مفاوضات نيروبي الأخيرة طرح وفد ( الحركة الشعبية) مطلبا جديدا يتعلق بزيادة عدد الأقاليم التي سيشملها الاستفتاء, وبالتالي تحديد جغرافية (الكيان الجنوبي) الذي قد يصبح دولة مستقلة ذات سيادة. وتقول لجنة (إيفاد) في البيان الذي أصدرته حول نتائج المفاوضات (أن تعريف الحكومة للجنوب يشمل محافظات بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل كما كانت لدى استقلال السودان في يناير 1956) , بينما ترى (الحركة الشعبية) أن تقرير المصير حق يجب أن يمارسه سكان هذه المناطق (الثلاث) إضافة إلى أبيي (في الغرب) وجنوب كردفان وجنوب النيل الأرزق (إلى الشمال), باعتبارها من المناطق المهمَّشة. ومن الواضح أن هذه النقطة ظلت موضع خلاف بين الجانبين, على أن تناقش مرة أخرى في جولة المفاوضات المقبلة. وأعلن وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان اسماعيل, الذي ترأس الوفد السوداني إلى مفاوضات نيروبي, ان اقتراح (الحركة الشعبية) بالنسبة لحدود جنوب السودان (سيعوِّض أي استفتاء, وهو يخرج عن نطاق (إعلان المبادئ) لمنظمة ( إيفاد) الذي تقوم المحادثات على أساسه. وأضاف : ( لنكن منطقيين في أن عدد سكان هذه المناطق الاضافية مساو لعدد سكان الجنوب لكنهم مسلمون وعرب. لذلك فإنهم سيصوتون بالتأكيد لمصلحة الوحدة) . وتابع: ( لا امانع حقيقة في أن تشارك هذه المناطق الثلاث الاضافية في الاستفتاء, لكن في هذه الحال لماذا لا نسمح لبقية سكان السودان بالتصويت أيضا؟) . 3 ــ أن الاتفاق حول تقرير المصير بالنسبة لجنوب السودان يطرح أيضا تساؤلات في شأن مستقبل التحالف القائم بين (الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان) وبين ( التجمع الوطني الديمقراطي) الذي يضم مجموعة الاحزاب السودانية المعارضة للنظام الحالي. فعلى الرغم من أن هذا التحالف يستند إلى برنامج قوامه تحقيق الديمقراطية المستمدة من التعددية السياسية وإطلاق الحريات في مختلف أشكالها وإقامة نظام علماني يفصل بين الدين والدولة.. إلخ .. إلا أنه يشتمل أيضا على بند رئيسي آخر هو الحفاظ على وحدة السودان بشماله وجنوبه, فما هو مستقبل هذا التحالف؟ وكيف سيتقبَّل التجمع السوداني المعارض مثل هذا التوجّه, أو هذا الحل لمشكلة السودان؟ وإذا كان الجانب المتفق عليه, مبدئيا, (تقرير المصير لجنوب السودان) يواجه مثل هذه العقبات الصعبة, فكيف سيكون الحال بالنسبة للجوانب الأخرى التي ظلت موضع خلاف ولم يحدث أي اتفاق في شأنها؟! أبرز القضايا التي لم تتم الاتفاق حولها هي علاقة الدين بالدولة, وموقع هذه المسألة في التشريعات الدستورية بالسودان. الحكومة السودانية حدَّدت موقفها من هذه المسألة بالتأكيد على ( ضمانها حرية الاعتقاد والعبادة وممارسة شعائر الدين الكاملة لكل إنسان) . كما أكدت ( أن يكون الدين والأعراف وإجماع الأمة مصادر التشريع في السودان) . وأعلنت في هذا الصدد أيضا أن ( لكل فرد حرية الدين والحق في الإعلان عن ديانته والتعبير عن ذلك عن طريق العبادة والتعليم والممارسة وأداء الشعائر وتنظيم الاحتفالات, ولن يجبر أحد على اتباع اعتقاد لم يؤمن به) . والدستور السوداني الذي جرى وضعه حديثا ويتم اجراء الاستفتاء عليه حاليا ( من 1 إلى 20 مايو الجاري) نص على هذه المبادئ, بالإضافة إلى التعددية السياسية, وإطلاق الحريات في السودان, وهو سيصبح نافذا, بعد توقيعه من قبل رئيس الجمهورية في (30 يونيو المقبل). وعلى ذلك فإن الحكومة السودانية تكون قد خطت خطوة حاسمة في هذا الاتجاه, قبل وخلال وبعد مفاوضات نيروبي, وبالتالي لن يكون في المستطاع إحداث أي تعديل على موقفها في المستقبل القريب. أما(الحركة الشعبية لتحرير السودان) فقد جعلت وحدة السودان مشروطة (باستبعاد الدين عن حيز السياسة, وإقامة دولة تلتزم العلمانية بدقة حيث تنفصل الدولة عن الدين دستوريا وتستند إلى ( إعلان المبادئ) الذي أصدرته (ايفاد) واكدته في محادثات نيروبي الأخيرة كقاعدة وجدول اعمال لعملية السلام) . ولا يبدو أن هذه المشكلة قابلة للحل, فلا الحكومة السودانية مستعدة للتراجع عن دستورها الجديد ـ كما تطالب (الحركة الشعبية) ـ ولا الأخيرة تقبل بالتنازل عن مطلبها الرئيسي والذي خاضت حربها الطويلة تحت شعاراته. إلى ذلك, هناك ثلاث ملاحظات مهمة تتصل بنتائج مفاوضات نيروبي: ــ الملاحظة الأولى, هي استبعاد أي دور لمصر في التطورات الأخيرة على الرغم من التحسن الذي طرأ على العلاقات المصرية ـ السودانية في الآونة الأخيرة, وفضلا عن أن الحكومة المصرية فوجئت بما حدث , فقد أكدت تمسكها بوحدة السودان معتبرة أن استقرار هذا البلد وتطوره لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال ترسيخ وحدته الوطنية. ودعا بيان اصدرته وزارة الخارجية المصرية إلى (تضافر الجهود الدولية والإقليمية للبحث عن حل سياسي عادل وشامل لتسوية الأوضاع في السودان) . وناشد البيان ( الأشقاء السودانيين العمل لاستعادة الوطن الواحد واسترداده لعافيته ومكانته الاقليمية والدولية) . ـ الملاحظة الثانية : أيا يكن مصير المحاولات المبذولة لإنهاء مشكلة جنوب السودان, فإن الصراع السياسي السوداني ــ السوداني يبدو مستمرا من خلال الموقف الذي يتخذه (التجمع الوطني الديمقراطي) المعارض الذي يرفض كل الخطوات التي يقوم بها الحكم السوداني. فالمعارضة اعـلنت رفضها للدستـور الجديد ودعت إلى مقاطعة الاستفتاء عليه على الرغم من أنه تضَّمن نصوصا عدة تتعلق بالتعددية السياسية وحرية التعبير وممارسة العمل الحزبي. وقد أضيف الآن سبب جديد إلى لائحة المعارضة وهو تسليم الحكومة السودانية بتقرير المصير واحتمال قيام دولة مستقلة في جنوب السودان, وهو أمر مرفوض بالنسبة لها. ــ الملاحظة الثالثة: كان من الواضح أن بعض القوى الخارجية, لا سيما الولايات المتحدة والدول المجاورة للسودان تشكل الداعم الرئيسي للحركة الشعبية وللتجمع الوطني الديمقراطي المعارض , و ذلك بهدف إحداث تغيير جذري في السودان وإطاحة نظامه الحالي. فما هو موقف هذه الأطراف من اتفاق نيروبي الأخير؟ وهل تسليم الحكومة السـودانية بإقامة دولة مستقلة في جنوب السودان , من حيث المبدأ, يعتبر بديلا بالنسبة لهذه الأطـراف عن الإطاحة بالنظام السوداني الحالي, بانتظار تطورات جديدة مناسبة أكثر لتنفيذ أهدافها؟ على كل حال لايبدو أن المجاعة التي تفتك بمئات الآلاف من مواطني جنوب السودان, بسبب استمرار الحرب هناك, هي ما يدفع الدول المحرضة والداعمة, إلى التخلي عن خططها ومشاريعها القديمة. لهذه الأسباب والاعتبارات مجتمعة يعتبر المراقبون اتفاق نيروبي على قدر كبير من الأهمية , سواء نُفِّذ هذا الاتفاق أو طرأت تطورات جديدة تمنع تنفيذه, لأن لكل حالة من الحالتين مضاعفاتها الخاصة, اللاحقة. كاتب لبناني مقيم في باريس*

تعليقات

تعليقات