مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

من السهل جدا القاء اللوم على صاحب المركب الخشبي وبحارته الذين وجدوا انفسهم مع مائة بقرة اصيبت بالطاعون واحدة بعد الاخرى, فأخذوا يرمونها في المياه , ومن السهل كذلك اتهامهم بارتكاب جريمة في حق البيئة والحكم عليهم بالسجن مددا مختلفة, كل ذلك سهل ومتاح, لكن هل تنتهي قضايا تلويث البيئة وتدميرها عند هذا الحد, وهل تنهي مثل تلك المساءلات وحدها تكرار حوادث البيئة؟ الاغلب طبعا ان البحارة, خاصة انهم آسيويون كما فهمنا, سوف يرحبون ايما ترحيب بأي عقوبة سجن ضدهم, فهذا السجن سيوفر لهم اقامة لمدة سنة او سنتين او اقل او اكثر الله اعلم, ومعها طعام خمس نجوم وراحة من البحر واهواله, طالما انهم وجدوا الرزق على السيف ولو... في السجن. ولا اريد من قارىء ما ان يفهم ان هذا دفاع عن هؤلاء فهم مخطئون بلاشك ويستحقون ما يستحقون من عقوبة, لولا ان مسؤولية تلويث البحر بمائة بقرة مريضة او نافقة ليست مسؤوليتهم وحدهم, وان كانوا المتسبب المباشر في الجريمة, فتفاصيل ما جرى تشير الى اطراف اخرى مسؤولة ايضا بدرجة او بأخرى وينبغي ان يوجه لها اللوم والعتاب ان لم نستطع المحاسبة والعقاب. فمن التفاصيل مثلا, ان بعض موانئنا رفضت استقبال السفينة المنكوبة بالبقر المريض, فكان على هذه ان تلف في عرض البحر من ميناء الى آخر, ليتكرر الرفض وليزداد انتشار المرض بين البقر, وهو رفض لا يكفي وحده لدرء خطر تلويث البيئة, وكان الأسلم مثلا حجز السفينة وابلاغ حرس الحدود والجهات الصحية وغيرها بخطر السفينة. ونلاحظ ان كل ميناء تصرف بأنانية لأنه اكتفى برفض استقبال السفينة وطردها, دون ان يفكر احدهم في هذه الموانىء ان أية اضرار تقع في البحر قريبا من دبي هي اضرار برأس الخيمة, وان اية اضرار بعجمان هي اضرار بأبوظبي, فنحن لا في دولة واحدة فحسب, بل على شاطىء واحد وبحر واحد ومياه تتدفق على شواطىء مشتركة, ما نعتبر معه تصرف الموانىء خاطئا وفي موقع المساءلة. اما حرس الحدود, فلا نعرف على وجه الدقة ان كان قد اخذ علما بوجود السفينة في مياهنا الاقليمية, سواء من الموانىء التي طردتها (وواضح ان هذا لم يحصل) او عن طريق الزوارق والدوريات والرادارات وغير ذلك من وسائل, فاذا كانت لم تعلم فالمصيبة عظيمة, اما اذا علمت ولم تتصرف في حدود مسؤوليتها كاقتياد السفينة وطردها خارج المياه الاقليمية او بحجز السفينة وابلاغ جهات الاختصاص, فالمصيبة اعظم. وعلى ذلك لابد ان نلاحظ ان هناك من لم يقم بواجبه على اكمل وجه, ولم يتصرف بما تملي عليه مسؤوليته مع مثل هذه السفن التي تهدد المياه والبيئة, اذ لا يمكن لمجموعة من البحارة يتواجدون مع ابقار مريضة نافقة على سطح سفينة واحدة وترفض موانىء استقبالهم الا التصرف وهم في عرض البحر بطريقتين: اما ان يلقوا بالبقر في المياه او يلقوا بأنفسهم في المياه, فاختاروا الامر الاول لأنهم قطعا ليسوا بقرا بل بشر. ومازلنا ننتظر قانون حماية البيئة الذي سوف يحدد قطعا المسؤوليات والعقوبات, غير اننا لحين صدور هذا القانون لانشك ان بحرنا سوف يتعرض لكوارث مماثلة كل مرة, غير ان الاهم, من بعد الوقاية ان امكن, ان نحدد المسؤوليات بدقة, عن كل كارثة, لأنه من السهل جدا تحميلها للمتسبب المباشر, سواء كان هذا صاحب السفينة او بحارتها, فهم الطرف الاضعف الذي يلقي عليه الجميع المسؤولية, فيما هناك من يتنصل منها وهو مسؤول, كحالتنا مؤخرا مع سفينة البقر المريض.

تعليقات

تعليقات