الهند: هل من جدوى في حيازتها للسلاح النووي؟ بقلم: عادل محمد حسن

اجرت الهند اخيرا ثلاث تجارب نووية تحت الارض في صحراء راجستان بعد توقف دام سنوات عديدة, هذه التجربة النووية الهندية اثارت دهشة وقلق الرأي العام العالمي بغض النظر عن المبررات الهندية . فالتجربة تجري في ظروف دولية تسودها نزعة حل المشاكل الدولية بالطرق السلمية وليس بقعقعة السلاح ناهيك عن اسلحة الدمار الشامل. كما ان العالم بدأ يشهد تقليصا للمخزون النووي المخيف في العالم, وتقييدا على فرص انتشار هذا السلاح الرهيب. ردة فعل الاوساط الدولية على هذه التجارب كانت سريعة بحيث شجبت غالبية الدول هذه الممارسة الهندية, بل وهددت بعض الدول الكبرى بالعقوبات الاقتصادية, فقد تشكل هذه التجربة ذريعة لموجة من سباق التسلح الخطير في منطقة بالغة الحساسية خاصة وان احد القنابل التي فجرت هي من نوع القنابل النووية الحرارية, ويبدي العديد من المراقبين ان تؤدي التجارب النووية الهندية بمنظومة الاتفاقيات الخاصة بالسيطرة على السلاح النووي, التي تعد هشة اساسا الى الانهيار. اما باكستان, التي تربطها بالهند علاقات توتر دائم, فقد كان رد فعلها عجيبا حيث اعلن نواز شريف, رئيس الوزراء الباكستاني, عن نية باكستان باجراء تجارب نووية مماثلة كرد على ما اسماه بالتهديدات الهندية. وهذه هي المرة الاولى التي يعترف فيها مسؤول باكستاني عن امتلاك باكستان سلاحا نوويا بعد ان كان يجري نفي ذلك في مناسبات سابقة, ومما يثير القلق ان تؤدي هذه التجربة الى استئناف الصين لتجاربها بعد ان وعدت بالتخلي عن هذه التجارب. يمتلك السلاح النووي الآن وبشكل مؤكد سبع دول ومن ضمنها الدول الكبرى فروسيا لديها بين 13 الى 15 الف رأس نووي في حين تمتلك الولايات المتحدة 15.500 رأس نووي كما ان لفرنسا 482 والصين 434 والمملكة المتحدة 100 رأس نووي. اما الدول الاخرى فهى اسرائيل التي تمتلك قرابة 200 رأس نووي ولدى الهند وباكستان على التوالي 60 و25 رأسا نوويا علما ان الهند شأنها بعض الدول ومنها اسرائيل لم توقع الاتفاقية العالمية حول منع انتشار السلاح النووي واتفاقية منع اجراء التجارب النووية. كما ان جنوب افريقيا لديها امكانية انتاج هذا السلاح ولكن يبدو ان البرنامج النووي قد توقف بعد انهيار نظام الفصل العنصري. هذا المخزون الهائل من السلاح قادر على تدمير الكرة الارضية مئات المرات, لم يتم استخدام هذا السلام المدمر الا مرتين في عام 1945 عندما القيت قنبلتان نوويتان على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بذريعة التسريع بالحاق الهزيمة بالعسكرية اليابانية. ولكن يشير الكثير من المحللين العسكريين والسياسيين المنصفين الى ان استخدام الولايات المتحدة لهذا السلاح كان غير مبرر من جميع النواحي. فالهدف الوحيد من استخدام هذا السلاح هي ممارسة سياسة ضيقة الافق تنطوي على نزعة التطرف القومي. فاليابان كانت قاب قوسين من الاستسلام ولم تكن هناك حاجة لاستخدام هذا السلاح الرهيب الذي طال مئات الالاف من المدنيين العزل. اثار استخدام الولايات المتحدة لهذا السلاح موجه من الغضب داخل الولايات المتحدة وخارجها. ولكن اجواء الحرب الباردة والمجابهة بين الكتلتين انذاك عجلت من عملية تكديس هذا المخزون ليصل الى مستويات مخيفة, غير ان ضغط الرأي العام خفف لحد ما هذا الاندفاع. وكان لهذا الضغط اثر في استبعاد استخدام هذا السلاح ودفع الدول المنتجة لهذا السلاح الى الاتفاق حول عدد من الاجراءات التي تحد من هذا المخزون او سبل اجراء التجارب او تقليص فرص انتشاره خاصة بعد ان طوت الحرب الباردة صفحتها. كما ان شعور قادة العالم بخطر استخدام هذا السلاح واثاره الآنية والبعيدة المدى على الشعوب كلها قد حد من فرص استخدامه, وبقي بمثابة عصا ردع معنوي تلوح بها الاطراف المتنازعة حتى اسرائيل التي اندفعت بشكل محموم لحيازة السلاح النووي, فان استخدامها لهذا السلاح يجعلها احد ضحاياه في نهاية المطاف. ان السلاح النووي كالبالوعة يلتهم نسبة كبيرة من الناتج القومي الاجمالي للدول التي تنتجه وكان الاتفاق على انتاج هذا السلاح وسبل حمله احد اسباب الانهيار الاقتصادي الذي حل بالاتحاد السوفييتي, اضافة الى انه كان وراء الصعوبات الاقتصادية التي واجهت منافسيه اثناء الحرب الباردة, ولهذا يبدو من الغريب ان تتجه دول فقيرة كالهند وباكستان وبشكل محموم لانتاج مثل هذا السلاح. يبلغ دخل الفرد الهندي من الناتج القومي الاجمالي سنويا قرابة 200 دولار وهي نسبة متدنية جدا في الوقت الذي تبلغ فيه النفقات العسكرية اكثر من 10% من الناتج القومي الاجمالي (المعدل العالمي = 3.3% وهكذا بالنسبة لباكستان حيث يبلغ دخل الفرد سنويا 440 دولارا ويشكل الانفاق العسكري قرابة 7% من الناتج القومي الاجمالي. هذه النسبة الكبيرة من الانفاق العسكري تعود بالاساس الى حالة الصراع المستمر منذ الاستقلال حول مشاكل حدودية وقضية كشمير اضافة لتدخلات اقليمية ودولية في هذا الصراع. هذا الصراع يشدد من نزعات التطرف القومي وبالتالي يمهد الطريق نحو هستيريا التسلح ومنها بالطبع السلاح النووي باعتباره مظهرا من مظاهر (العزة) و(الفخر) القومي لا غير ان استخدام هذا السلاح في تزاع بين بلدين متجاورين كالهند وباكستان وبهذه الكثافة السكانية لا يعني الا زرع الموت في ملايين المدنيين من كلا الطرفين. ان التجربة النووية تأتي في الوقت الذي تسعى فيه الادارة الامريكية الى الضغط الدبلوماسي على الصين لوقف امدادات التكنولوجية النووية الى باكستان وستواجه كل من الولايات المتحدة وحليفاتها بخيارات صعبة من اجل ردع التوجة الهندي خاصة في ميدان التوظيفات والمعونات الاقتصادية الى الهند ويشير برافول بيداوي احد المعلقين العسكريين الهنود الى خطأ الخطوة الهندية ويقول (بهذه التجربة زالت الغشاوة. وستعتبرنا كل من الصين وباكستان اننا المبادرون الى نشر السلاح النووي وهنا سيواجه الهند سباقان للاسلحة النووية الاول صغير مع باكستان والثاني كبير مع الصين. وهذا سيرهق كاهل الاقتصاد الهندي) . وليس امام الهند وباكستان الا التخلي عن هذا المنهج الخطر والتوجه لحل مشاكلهما بعيدا عن هرطقات التعصب القومي والديني وسد الطريق امام التدخلات الخارجية وتحويل هذا الحجم الهائل من النفقات العسكرية نحو رفع مستويات المعيشة والحد من ظاهرة الفقر الخطيرة في البلدين.

تعليقات

تعليقات