المقاومة الفلسطينية والحاجة الى القراءة الشاملة ـ بقلم: محمد خالد الازعر

لم تصدر بعد موسوعة المقاومة الفلسطينية للغزوة الصهيونية الاستيطانية, تلك التي يفترض ان تضم الاعمال التأريخية الكاملة لنضال يمتد حتى الآن لقرن ونيف من السنين. ولا يعني ذلك ان ادبيات الصراع الصهيوني العربي وفي قلبه نكبة فلسطين خلو من تفصيلات مسار المقاومة بشقيه العربي والفلسطيني, بل الافتقاد للنظرة الشاملة الرامية الى استخلاص عبرة هذا المسار بأنماطه العنيفة والمدنية, الشعبية الرسمية . قد تعود هذه النقيصة الى ان الصراع لم يجد له نهاية بعد. فمازالت اعمال المقاومة قيد التفاعل. وفي حقيقة الامر فانه من غير المنتظر الوصول الى هذه النهاية في الافق المنظور. ومع ذلك ينبغي الاعتراف بحاجة الجانب العربي الفلسطيني الى التأمل المعمق في مراحل هذه المقاومة زمنيا ومكانيا. فما انقض من هذه المراحل يسمح بالفعل بالوقوف عند عصارات وخبرات غاية في الثراء, من شأنها تقديم خدمة جليلة لنضال الجيل الحالي والاجيال اللاحقة, طالما اننا بصدد نموذج للصراعات المريرة طويلة الاجل. في اطار منهجية كهذه, يمكن لمن يعنيهم الامر, متابعة المقاومة الفلسطينية في مرحلتي ما قبل وما بعد نشوء الكيان الصهيوني عام 1948. وداخل كل مرحلة من الجائز تماما مطالعة التجربة عبر فترات زمنية محددة. فقبل عام ,1948 ثمة هبات للمقاومة بانماطها المختلفة منذ بداية عمليات الاستيطان الصهيوني زمن الحكم العثماني وصولا الى نهاية الحرب العالمية الاولى وبداية الانتداب الاستعماري البريطاني. ويشكل هنا صدور تصريح بلفور الشهير كعلامة فارقة. وبعد اقرار الانتداب, هناك اكثر من نقطة ذروة للمقاومة لعل اهمها هبة البراق 1929 والثورة الكبرى 36 ــ 1939 ولاشك ان تجربة جماعة القسام (1935) تمثل بدورها علامة مهمة في حينها, كونها انتهجت اسلوب الكفاح المسلح, الذي تعامد في الاعوام التالية مع انماط النضال المدني (رفع العرائض, الاحتجاج, التظاهر, الاضرابات). يدخل في سياق اعمال المقاومة في هذه المرحلة, المحاولات الفلسطينية المضنية للتنظيم واعادة التنظيم. فقد خلف انتهاء العهد العثماني فراغا سياسيا مذهلا, وجاء اقتطاع فلسطين عن بيئتها ومحيطها الطبيعي (سوريا الكبرى بالذات) ليفاقم هذه القضية. وكان على الشعب الفلسطيني ان يستحدث اطره التنظيمية البديلة تحت ضغوط بالغة القسوة: من الاستعمار البريطاني الذي استولى على الارض والسلطة. ومنح الغزو الصهيوني الاستيطاني الذي راح يزحف بشكل سرطاني على كل من الارض والسلطة في ظل حماية بريطانية موثقة بتصريح بلفور الذي ادمج في صك الانتداب. في هذه الظروف اقام الفلسطينيون الجمعيات الاسلامية المسيحية واللجنة التنفيذية العربية والاحزاب, ثم اللجنة العربية العليا كاطار صهيوني يضم الاحزاب (ابريل 1936). ونظموا المؤتمرات الجماهيرية التي شكلت ظهيرا شعبيا لهذه الاطر, وكذا اللجان القومية المحلية التي كانت تصل بين القيادة والجماهير. من اهم ما يميز النضال الفلسطيني في تلك المرحلة, التقيد بصلابة منقطعة النظير بمطالب محددة تمثلت في رفض تصريح بلفور والهجرة اليهودية والاصرار على الحكم النيابي بحسب النسب السكانية دون تمييز, وعروبة فلسطين استقلالها شأن الشعوب العربية, والاستمساك بوحدة البلاد ورفض تقسيمها. شهدت هذه المرحلة بروز البعد العربي في المقاومة على صعيدين: سياسيا, بنمو الاهتمام العربي بتطورات القضية الفلسطينية من منطلقات عربية واسلامية. وعسكريا بمشاركة عناصر غير فلسطينية في اعمال المقاومة المسلحة بدءا من ثورة 1936 الكبرى. وقد توج هذه المداخلة العربية رسميا وشعبيا بمشاركة الجيوش العربية في الدفاع عن فلسطين عام 1948 و1949. وفي الواقع لم تتمكن المقاومة بشقيها الفلسطيني والعربي من تحقيق اهدافها. فقد انتهت هذه المرحلة بأحداث النكبة المعروفة ومع ان اسباب هذا الفشل خضعت لدراسات كثيرة, الا ان الروايات العربية مختلفة بهذا الصدد. وفي الوقت الراهن قد يكون من الاهمية بمكان اعادة اختبار مدى صحة اتجاه القيادة الفلسطينية التي توصف بـ (التقليدية) والاجابة على التساؤلات التالية: هل كان تمترس تلك القيادة خلف الاهداف دون مرونة, مسؤولا عن فشلها؟... هل كان موقعها الطبقي وخصائصها الذاتية واساليبها في ادارة الصراع الداخلي (غير الديمقراطية) مسؤولة بدورها عن ذلك الفشل؟ اكانت تلك القيادة تجهل فعلا مداخل التعامل مع البيئتين الاقليمية والدولية للصراع؟ نطرح هذه الاسئلة وفي الذهن ان كثيرا مما اعتبر نقائص في اعمال القيادة التقليدية, مازال قائما في ممارسات القيادة المعاصرة... كما ان مرونة هذه القيادة وصولا الى تقديمها تنازلات بالغة, لم تشفع لها في تحقيق الحد الادنى من اهداف المقاومة. بوقوع النكبة أخذت المقاومة الفلسطينية طابعا مختلفا نسبيا, ومرت بمراحل فرعية بالغة الانعطاف, لعل من أهم ما يميزها جميعا تداخل هذه المقامة وتضافرها مع البعد العربي. لقد تحول البعد الفلسطيني للمقاومة الى عنصر غير متفرد في غمرة صراع عربي صهيوني اكبر واكثر شمولا. وباتت المقاومة الفلسطينية تتأثر صعودا وهبوطا بالعامل العربي, وكذا بتفاعلات دولية اوسع نطاقا واكثر تغلغلا في مسار الصراع. هذا علاوة على ان منتجات النكبة, وأهمها ضرب القاعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للحقيقة الفلسطينية, تركت انعكاسات فاعلة على استراتيجية المقاومة وتكتيكاتها واهدافها. والمدهش, ان الخمسين عاما الماضية منذ بداية هذه المرحلة, التي شهدت زوال البعد الفلسطيني ثم اعادة بروزه بقوة في مسار الصراع, وعرفت اكثر حالات الجانب الفلسطيني وهناً وقوة على فترات متفاوتة.. هذه المرحلة, لم يتم التأريخ الكامل لها الا على نحو جزئي متقطع. هذا في الحين الذ ي توجد فيه اعمال بحثية تتعلق بالنضال الفلسطيني لمرحلة ما قبل النكبة على نحو او اخر من الشمول. بمجرد حدوث النكبة, كان الحفاظ على الذات الفلسطينية من امراض هذه الكارثة واعراضها عملا نضاليا في حد ذاته. وقد بدأت هذه المحاولة, قبل نهاية عام 1948.. حين سعى الفلسطينيون الى اعادة تأطير أنفسهم سياسيا باعلان حكومة عموم فلسطين (23/9/1948) في غزة, ويبدو ان الوهن الفلسطيني الذاتي كان اكبر مما يمكن دفعه بتلك المحاولة.. ومن هنا بائت بالفشل. هذا على الصعيد السياسي, اما على الصعيد العسكري, فقد جرى تفريغ الحقيقة الفلسطينية من بعدها العسكري, وذلك حتى منتصف الستينات. وذلك باستثناء اعمال تسلل فردي يائسة من قبل البعض في اتجاه ديارهم واملاكهم المغتصبة حديثا. وهي اعمال لا يمكن حذفها من قاموس المقاومة الفلسطينية. وفي منتصف الخمسينات, تم تنظيم هذه الاعمال, برعاية عربية مصرية, فيما عرف بحرب الفدائيين من قطاع غزة. وكان لهذه الآلية صداها, اذا قدرنا سكوت المدافع داخل وخارج اسرائيل بالكامل في تلك الفترة. وبخلاف الاثار المعنوية, فقد خسرت اسرائيل باعتراف مصادرها من جراء تلك الحرب الفدائية بين 48 ـ 1956 قرابة ستة أمثال خسائرها البشرية في حملة السويس (1956) وضعف ما خسرته في حرب اكتوبر 1973. بحلول منتصف الستينات, اصبح للمقاومة الفلسطينية شأنا اخر. فقد توافقت الارادتين العربية والفلسطينية على ابراز البعد الفلسطيني من جميع نواحيه مجددا, فظهرت منظمة التحرير الفلسطينية. كما كان العامل الفلسطيني قد أعاد تأهيل نفسه للتصدي مجددا للغزوة الصهيونية. فانتشرت تنظيمات المقاومة متعددة الاسماء والمعروف بعضها الى الوقت الحاضر. وقد يلفت النظر, أن هزيمة 1967 ارخت لاعادة التحام الجسد الفلسطيني جغرافيا تحت الاحتلال الصهيوني من ناحية, وانضواء قوى المقاومة سياسيا وعسكريا تحت لواء منظمة التحرير من ناحية اخرى. وفي هذا السياق الجديد, بمحدداته المعقدة فلسطينيا وعربيا واسرائيليا ودوليا, خاض الفلسطينيون, انماط المقاومة كلها, على اكثر من جبهة في اكثر من موقع, داخل فلسطين وخارجها. في قطاع غزة, والضفة الغربية واغوار الاردن وجنوب لبنان وعمق الكيان الصهيوني وجبهة قناة السويس (1973). وكانت جولات المقاومة تراوح في خليط عجيب بين شيء من اساليب حرب التحرير الشعبية والحروب النظامية (اثناء اجتياح لبنان مثلا 1978 و1982). والانتفاضة المعروفة المتفردة في تاريخ النضال الانساني عامة. يحتاج هذا المسلسل الممتد والمتنوع الى مسح شامل ليس فقط للتعريف به, وانما اساسا للتعرف من خلاله على مواقع الصواب والخطأ والتمعن في مدى صحة المسار عموما. اذ يعن للمتابع ان حصاد المقاومة الفلسطينية كان ولا يزال أقل بكثير مما يستحقه هذا المسار. ولعل مرور خمسين عاما على النكبة مناسبة يمكن اعتمادها كنقطة بداية لمراجعة شاملة, تضع همها وغايتها في متابعة المحطات الاساسية للمقاومة العربية الفلسطينية من منظور مقارن على الصعيد الداخلي بين مراحل هذه المقاومة, وعلى الصعيد الخارجي بين التجربة الفلسطينية وتجارب الشعوب الاخرى مع اخذ الفوارق المتوقعة بعين الاعتبار.

تعليقات

تعليقات