في الذكرى الخمسين لاغتصاب فلسطين: إسرائيل مازالت مفتوحة على مزيد من التوسع والسيطرة: بقلم- رياض ابوملحم

كيف يتسنى للعالم ان يحتفل اليوم, أو يشارك في الاحتفال, بقيام دولة اسرائيل قبل خمسين عاما, دون ان يرى الجانب الاخر, المحزن, من الصورة, حيث المعاناة الكبرى والمستمرة للشعب الفلسطيني, الذي تحقق (انجاز) الدولة العبرية على حسابه ؟! ان اهمية المناسبة تكمن, ليس فقط في انفتاح الذاكرة على بداية اسوأ معاناة في التاريخ الحديث والمعاصر, بل في الادلة الصارخة التي تقدمها يوميا على فشل جميع الجهود العربية والدولية لاعادة الحق إلى نصابه, وعلى تكريس وضع غير شرعي في هذه البقعة من العالم, وفقا لجميع المقاييس القانونية والاخلاقية والانسانية. فاذا كانت القوة تستطيع ان تخلق مثل هذا الواقع الذي يناقض منطق التاريخ ويتحداه, بيد انها لن تكون قادرة دائما على اخفاء الحقائق الناشئة عنه, ايا ما كانت وسائل التحريف والتزوير والتشويه المستخدمة في سياق هذا الصراع المستمر. أول هذه الحقائق وابرزها, ان الكيان الذي يحتفل هذه الايام بالذكرى الخمسين لقيامه لم يستكمل حدوده الجغرافية, والتوراتية, بعد, ولايزال مفتوحا على مزيد من التوسع والسيطرة, ومزيد من الحاق الاذى بالاخرين, ومن الغريب حقا ان تكون اسرائيل وحدها غير مطالبة لا عند الاعتراف بها كدولة مستحدثة في عام 1947, ولا بعد خمسين عاما على قيامها, باعلان حدودها الجغرافية, في الوقت الذي تواصل احتلالها لاجزاء واسعة من عدة دول عربية, فضلا عن الوطن الفلسطيني المغتصب. ثاني هذه الحقائق واكثرها تحديا لمبادىء العدالة الانسانية, انه بعد نصف قرن على هذه المسألة, مازال الالحاح والضغط متواصلين على الضحية, وهو الشعب الفلسطيني, لكي يقدم المزيد من (حسن النية) والمزيد من التأكيدات على قبوله, ليس بالامر الواقع فحسب, بل الاعتراف الكامل بشرعية كل ما فعله المعتدي وما استطاع الاستحواذ عليه حتى الآن. ثالثا, ان الدولة التي يحتفل بخمسينيتها باعتبارها واحدة من ابرز الانجازات الحضارية في القرن العشرين, هي ذاتها الدولة التي تمارس فيها اسوأ اشكال الاضطهاد ضد شعب آخر, هو الشعب الفلسطيني ذاته, صاحب الارض, واسوأ انواع التمييز العرقي حيال ابنائه, فيساق الآلاف منهم إلى السجون, ويمنع الناس من ممارسة اي نوع من انواع التعبير الحر في شأن الواقع المفروض عليهم بقوة القمع, وهكذا تغتصب الارض وتهدم البيوت امام اصحابها, ويجري تشريد المواطنين الاصليين وحرمانهم من ابسط الوسائل المعيشية التي تؤمن لهم حياة كريمة متواضعة, ويتم تشريع القوانين التي تسمح بتعذيب المعتقلين لانتزاع الاعترافات منهم, وتوضع النصوص الادارية التي تبيح اجراءات التطهير العرقي في القدس وفي غيرها من المدن الفلسطينية, وتمارس عمليات التضييق المبرمجة لمنع الناس من ممارسة حرياتهم الدينية والمحافظة على مقدساتهم, بينما يمنع على السجناء والمعتقلين الاستفادة من الحقوق القضائية الطبيعية التي يتمتع بها الاسرائيليون وحدهم. لقد بدت عمليات التهجير القسري للسكان الفلسطينيين مألوفة جدا, من خلال مسح مئات القرى وازالتها من الوجود كليا لمنع اهاليها من العودة اليها, واذا كانت هذه العمليات قد تمت في بداية الغزو الصهيوني لفلسطين قبل خمسين عاما لجعل هذه الارض خالية من اية حياة أو نشاط انساني, مما يعطي صدقية للمزاعم الصهيونية حول خلو فلسطين من السكان, فتتحقق بذلك مقولة (شعب بلا ارض, لأرض بلا شعب) , فان هذه السياسة ظلت مستمرة على مدى السنين التي تلت ذلك, وحتى يومنا هذا, من دون اقامة اي اعتبار, لا لرد فعل الشعب الفلسطيني, ضحية التطهير العرقي, ولا للموقف العربي الرافض لهذا الظلم الذي تمتد حدوده بقدر ما تتوسع حدود الاحتلال, ولا للموقف الدولي الذي تتوزعه مشاعر واهواء ومصالح شتى, بينما تتكفل الولايات المتحدة بالتغطية على هذه الجرائم الانسانية, فضلا عن الدور الاوروبي المتواطىء في كل هذا. ان مظاهر الاحتفال, البالغة التأثير, التي شهد العالم نماذج مختلفة منها, داخل اسرائيل وخارجها, ينبغي الا تمنع من عقد مقارنة موضوعية بين سياسات التطهير العرقي والاضطهاد والتصفيات الجماعية التي مارستها النازية ضد اليهود, خصوصا خلال المرحلة الممتدة من عام 1933 إلى ,1945 وكانت المحرقة ذروتها, وبين ما نفذته المنظمات الصهيونية, ثم الدولة العبرية نفسها بعدما اكتسبت شرعيتها الدولية, ضد الشعب الفلسطيني, والشعوب العربية الاخرى التي تعرضت لاحتلال مباشر منها, فحملات التصفية والمجازر تتشابه: في معسكرات الاعتقال النازية, كما في دير ياسين والقرى الفلسطينية الاخرى, وفي صحراء سيناء المصرية حيث جرى اعدام الاسرى, وفي مخيم شاتيلا الفلسطيني ـ اللبناني في بيروت, وفي بلدة قانا اللبنانية التي كانت اخر الشواهد المعبرة على ما يمكن ان تفعله سياسات العدوان والتوسع الاسرائيلية المطبقة منذ اكثر من خمسين عاما, ولعل الفارق الوحيد بين الحالتين, النازية والصهيونية, ان الاولى ادينت وهزمت واسدل الستار عليها, بينما استطاعت الثانية الحصول على (شهادة براءة) من اعلى سلطة دولية, وهي الامم المتحدة, برغم استمرارها في ارتكاب الآثام وتقديم ادلة جديدة ويومية, على تشبهها بالنازية واستخدامها نفس الاساليب. فاذا كانت (المحرقة) جريمة ضد الانسانية, وهي كذلك فعلا, فلماذا ينظر إلى مأساة الشعب الفلسطيني على نحو مغاير؟ ان اختلاف الارقام لا يغير من الامر شيئا, لا بالنسبة لتشابه الجريمتين أو حجم مضاعفاتهما, خصوصا وان الذين شملتهم الجريمة الصهيونية, باشكال مختلفة, تصل اعدادهم إلى الملايين ايضا يعيش معظمهم في ارض الشتات. فالجريمتان تشكلان شاهدا على انتفاء العدالة, لكن الجريمة الثانية تغدو اكبر واكثر مدعاة للتنديد عندما تحظى بموافقة العالم ورضاه, بينما الاحتفالات بالنتائج التي اسفرت عنها تبلغ ذروتها هذه الايام. الا تحمل هذه المناسبة دليلا اخر على حقيقة المعايير المزدوجة المطبقة في العالم, العالم الذي تقوده الولايات المتحدة وتسيطر عليه. كاتب لبناني مقيم في باريس*

تعليقات

تعليقات