مع الناس: بقلم - عبدالحميد أحمد

بعد الاتفاق الاخير بين دول اوروبا على اعتبار (اليورو) العملة الرسمية المتداولة للمجموعة اعتبارا من يناير 99 المقبل, اي بعد ستة اشهر من الآن تقريباً, فإن سلطات هذه الدول, كل على حدة, لا تفكر في كيفية الانتقال من العملة المحلية الحالية إلى العملة الجديدة, فذلك مما أشبع نقاشاً وصار لدى كل دولة منها آلياتها وتصوراتها على حسب المرونة التي اتاحها الاتفاق نفسه, والمراحل التي يمر بها هذا الانتقال, بل تفكر في الوسائل والآليات للتخلص من العملة القديمة, وبالذات الورقية. السلطات الألمانية مثلاً فكرت في تقطيع الماركات الورقية ثم دفنها في مزابل بشكل تدريجي, فيشهد ذلك على موتها التاريخي, وهي عملية سوف تستمر سنوات, حيث ان التحول الى اليورو سيستغرق سنوات وسيتم تدريجياً, كما ان الدفن سيحتاج الى أماكن مخصصة لجبال من هذه الأوراق, مما يعني لا إرتفاع تكلفة التخلص منها فحسب, بل ربما نكبة بيئية تثير غضب أنصار البيئة. وبما ان مصائب قوم عند قوم فوائد, فقد طلعت للسلطات الالمانية شركة اقترحت تحويل هذه العملات السكندهاند والمنتهية الصلاحية إلى سماد نباتي غير ضار بالبيئة, ما يعني عند نجاحها في ذلك ان الزراعة في المانيا وربما في غيرها من دول يتم تصدير هذا السماد اليها سوف تتغذى ماركات وفلوساً, كانت ذات يوم ذات طنة ورنة في البورصات العالمية وفي المصارف وبين ايدي الناس ايضاً. وهكذا حصلت شركة (نورد) على عقد حكومي يخولها الحصول على أطنان من الماركات التي تم (كنسلتها) وشطبها من الخدمة, وهي أنقذت بذلك حكومة هيلموت كول من مأزق هو الثاني من نوعه, بعد مشكلة التخلص من مليارات من ماركات المانيا الشرقية بعد الوحدة عام 90 فأنقذته منها شركة أخرى حولت هذه المليارات الى عجين فورق مدور. الماركات المتوقع ان تتحول الى سماد هذه المرة عددها 2.6 مليار ورقة, أما قيمتها فتصل إلى حوالي 312 مليار مارك, وحسب الشركة فإنها ستحول 400 طن كل عام من الماركات إلى سماد, في عملية سوف تستمر سنوات مع دخول اليورو التدريجي في الأسواق, لتنتهي بذلك إحدى أقوى عملات العالم, وقد اختلطت في مصاهر مع قشور البطاطا وبقايا الطعام والنفايات العضوية إلى سماد طبيعي يغذي النباتات, فتمتلىء ولأول مرة بطون الفقراء بالماركات بعد ان عجز هؤلاء عن ملء جيوبهم بها. وعلى طريقة تحويل الماركات الى سماد, ستتحول كل عملة أوروبية أخرى, عاجلاً أم آجلاً, من الجنيه الاسترليني إلى الفرنك السويسري والفرنك الفرنسي إلى الليرة الايطالية وغيرها من عملات, إما إلى سماد أيضاً حين تنتشر فكرة الشركة الألمانية في أوروبا وتجد استحساناً, أو إلى أشكال أخرى من مجرد حرقها وتحويلها إلى المزابل إلى إعادة تدويرها مثلاً في ورق نستخدمه للحمامات أو التنظيف أو للصحف, فيصبح الأوروبي وغير الأوروبي ينظف قاذوراته لأول مرة بأوراق البنكنوت. طبعاً إستخدام اليورو كعملة موحدة لدول أوروبا يتعامل كل شعوبها بعملة واحدة, بعد تعاملهم سابقاً بعدة عملات, وحيث لن يضطر الاوروبي (ولا نحن أيضاً) إلى تغيير العملة عند الانتقال من بلد إلى آخر, هو تطور تاريخي مذهل, على مستوى العالم, لا مستوى أوروبا فقط, حيث ستكون هناك عملة أخرى قوية إلى جانب الدولار, كم يتمنى العربي لو أن هناك عملة عربية أيضاً موحدة لها قوة في الأسواق والاقتصاد العالمي, لولا إنها أمنية لن ترى النور لا في عمرنا ولا في عمر أولادنا فنتركها معلقة على حائط المبكى العربي, كما علقنا عليه سابقاً عشرات من الأمنيات الثمينة. هذا العربي لا يريد ولا يصل إلى مستوى من التمني أن يرى عملة بلاده وقد تحولت إلى سماد أو ورق حمامات, لأن هناك عملة عربية موحدة حلت محلها, فهو يعيش تحول عملة بلاده إلى ورق أغلى من قيمة العملة, وتحول العملة نفسها إلى تراب وهباب وما هو أقل ثمناً من دون حاجة إلى وحدة ولا عملة موحدة.

تعليقات

تعليقات