رغم استقالة بن غانم ،الأزمة لا تزال مستمرة: بقلم- نصر طه مصطفى

لاشك ان استقالة الدكتور فرج سعيد بن غانم رئيس الوزراء اليمني مساء الاربعاء الماضي ستظل علامة فارقة في التاريخ اليمني المعاصر على مدى نفوذ وقوة مراكز الفساد والمصالح التي ظلت تقاوم بشراسة ارادة الاصلاح والتغيير التي جاء بها هذا الرجل قبل عام عند قبوله رئاسة حكومة ليس له في اختيارها لا ناقة ولا جمل ولم يرض اليمنيون فيها الا عن شخص رئيسها الذي سرعان ما استقال ورحل, ورحلت معه كل الآمال والتوقعات بوجود رغبة جادة في بناء دولة المؤسسات والنظام والقانون, واختفت معه كل الامنيات التي كانت تأمل في اجراء اصلاحات حقيقية في الادارة والسياسات الاقتصادية والمالية. ومن المؤكد ان الاجهزة الرسمية كانت تدرك تماما معنى استقالة بن غانم التي قدمها لاول مرة يوم السبت 28 مارس الماضي, بانعكاساتها السلبية على المستوى الشعبي وعلى المستوى الخارجي, ولذلك ظلت تتعامل معها بالنفي والمغالطات, وهو الامر الذي جعل شكوك بن غانم تزداد تجاه نوايا السلطة في احداث اصلاحات حقيقية خصوصا وانه لا يعتبر نفسه مستفيدا على الصعيد الشخصي من استمراره رئيسا للحكومة او من مطالبه باجراء تعديل وزاري والحصول على صلاحيات اوسع... فالاعلام الرسمي لم ينف فقط انه قدم استقالته, ولكنه الى ذلك نفى مطالبته بتعديل وزاري في حكومته الى ان اعلن ذلك الرئيس علي عبدالله صالح في حديثه التلفزيوني المباشر مع قناة الجزيرة الفضائية, والذي توقع المراقبون ــ على اثره ــ ان تتم تلبية مطالب بن غانم في التعديل خصوصا وان اليمنيين يدركون عدالة تلك المطالب عندما يتأملون التشكيلة الحكومية القائمة, ويدركون بفراستهم الفطرية استحالة تحقيق اصلاحات ادارية وبناء نظام وقانون من خلال مثل تلك الحكومة التي تضم في صفوفها اناس لا يعرفون معنى كلمة (دولة) ولا يدركون معنى وجودهم في حكومة معنية في الاساس بتنفيذ برنامج مكثف للاصلاحات!! يدرك الجميع ان استقالة بن غانم تشكل خسارة كبيرة للبلاد وستعزز حالة اهتزاز الثقة بين الشارع والسلطة بسبب السمعة الطيبة التي كان يتمتع بها الرجل في الاوساط الشعبية... كما ان استقالته ستخلق شكوكا كبيرة في اوساط الدول والمؤسسات الدولية التي تدعم برنامج الاصلاح وبالذات لان هذا البرنامج وصل الى المرحلة الفاصلة التي تقتضي الشروع في الاصلاحات الادارية التي ظلت السلطة تتهرب منها منذ بدء تنفيذها للبرنامج نهاية مارس 1995 وحتى الآن... حيث تعتبر المؤسسات الدولية المانحة والداعمة ان مصداقية النظام في اليمن تتعلق بالجدية في تطبيق برنامج الاصلاح الاداري وليس في تنفيذ الاصلاحات السعرية التي اقتصر عليها البرنامج حتى الآن والتي اثقلت كاهل المواطنين وزادت من استشراء الفقر. في كل الاحوال فقد ذهب الدكتور فرج بن غانم متخففا من اوزار الحكم ومحملا باحترام الناس وتقديرهم لذلك فقد اتعب من سيأتي بعده , واتعب الحزب الحاكم في البحث عن بديل له بمواصفاته المثالية, فهو اولا من ابناء المحافظات الجنوبية ومن حضر موت تحديدا وهو ثانيا عرف بالكفاءة والجدية وهو ثالثا عرف بالنزاهة وطهارة اليد والاستقامة الشخصية. وتؤكد مصادر مقربة من الرئاسة اليمنية ان الرئيس علي عبدالله صالح يفضل اسناد حقيبة رئاسة الحكومة لشخصية من المحافظات الجنوبية وذلك منذ نهاية حرب صيف 1994 وان رفض فرج بن غانم تشكيل الحكومة عقب الحرب اضطر الرئيس صالح لتكليف عبدالعزيز عبدالغني (وهو من محافظة تعز) وهذا الحرص من قبل الرئيس منطلق من الرغبة في ترسيخ معاني الوحدة الوطنية واعطاء ابناء المحافظات الجنوبية الاحساس بانهم شركاء في السلطة من خلال اهم منصب تنفيذي بعد رئاسة الجمهورية وهو منصب رئيس الوزراء خصوصا وان منصب رئاسة البرلمان ذهب للشيخ عبدالله بن حسين الاحمر وذهبت برئاسة المجلس الاستشاري وهو منصب شكلي لعبد العزيز عبدالغني ورغم انه شخصية من المحافظات الجنوبية تحتل موقع نائب رئيس الجمهورية وهو الفريق عبد ربه منصور هادي الذي ينتمي لمحافظة ابين التي كان لها دور اساسي في احباط مخطط الانفصال... لذلك وفي ضوء تلك المعطيات جميعا كان اختيار بن غانم لرئاسة الحكومة وفي ضوء نفس المعطيات تعتقد الاوساط السياسية ان الرئيس صالح سيحرص على اختيار رئيس الحكومة الجديد مما سيجعل الامر يطول بعض الشيء, ومن هنا كان قرار تكليف الدكتور عبدالكريم الارياني بالقيام بأعمال رئيس الوزراء... وهي ليست المرة الاولى, فقد سبق تكليف الدكتور محمد سعيد العطار بالقيام بأعمال رئيس الوزراء في بداية حرب صيف 1994 بديلا عن حيدر ابوبكر العطاس واستمر ذلك التكليف حوالي خمسة اشهر وليس متوقعا بالطبع ان يستمر تكليف الارياني مثل تلك المدة لكنها قد تطول بعض الشيء اذا كان سيجري البحث عن شخصية من ابناء محافظة حضر موت لتشكيل الحكومة الجديدة... وما لم يتم ذلك فان الحظ الاوفر سيكون للدكتور الارياني لتشكيل لحكومة ويأتي بعده في الترتيب عبدالعزيز عبدالغني رئيس المجلس الاستشاري. وفي كل الاحوال تتوقع مصادر سياسية ان يتأنى الرئيس علي عبدالله صالح هذه المرة في تشكيل الحكومة الجديدة وسيحرص على اختيار مجموعة كبيرة من الوجوه الجديدة والشابه بهدف امتصاص السخط الشعبي الناجم عن استقالة بن غانم, وذلك لاعطاء الناس احساسا بالجدية والرغبة في التغيير الى الافضل... ذلك ان بقاء التشكيلة الحكومية الحالية ستزيد من حالة الاحباط العام الموجودة لدى مختلف الاوساط الشعبية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تعلق امالا كبيرة على وجود فرج بن غانم في رئاسة الحكومة وامكانية قيامه باصلاحات جذرية عميقة... ولذلك تتوقع نفس المصادر ان يتجه الرئيس صالح لاجراء تعديل في قانون المجلس الاستشاري يستهدف توسيعه الى (مائة عضو) بدلا من تسعة وخمسين وذلك لاستيعاب الوزراء الذين سيتم استبعادهم من التشكيلة القادمة في اطار المجلس الاستشاري. لقد كشف استقالة الدكتور فرج بن غانم عن عمق الازمة التي تعيشها اليمن وهي كما سبق ان تناولناها في مقالات سابقة تتمثل في غياب البناء المؤسسي للدولة وضعف هيبة النظام والقانون, واخذت مظاهرها تنعكس في كل الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية... ابتداء من ازمة الثقة بين الاطراف السياسية الفاعلة الى انتشار الفساد المالي والاداري وتردي المستوى المعيشي للمواطن وانتهاء باستشراء (موضة) خطف الاجانب وظاهرة الثأر والصراعات المسلحة في المدن... ولا نعتقد ان هذه هي الصورة التي تريد ان ندخل بها القرن الحادي والعشرين بعد اقل من عشرين شهرا!

تعليقات

تعليقات