نصف قرن على ولادة اسرائيل : مأزق الصهيونية القائم ـ بقلم: فاطمة شعبان

لقد شكلت فلسطين المكان الذي اختارته الحركة الصهيونية لتنفيذ مشروعها ببناء وطن قومي لليهود, وبالتعاون مع بريطانيا التي كانت تحتل فلسطين, والتي منحت اليهود وعد بلفور, تحول هذا المشروع الى حقيقة واقعة مجسدة في دولة اسرائيل. على الرغم من ان عدد اليهود لم يصل الى ثلث عدد السكان في فلسطين عام 1948, الا انهم كانوا قد حصلوا على اكثر من 56 بالمائة من مساحة فلسطين في قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة في العام 1947. ومع تسارع التطورات السياسية في الامم المتحدة التي تلت ذلك العام وما بعده, قامت المنظمة الصهيونية بتأسيس (مجلس وطني) كان بمثابة برلمانا للدولة الصهيونية القادمة, و(ادارة وطنية) كانت بمثابة حكومة للدولة المرتقبة, وتزعم بن جوريون كل من اللجنة التنفيذية الصهيونية واللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية والادارة الوطنية. مع حلول عام 1948 وانتهاء الانتداب البريطاني, كانت العصابات الصهيونية جاهزة لتنفيذ مخططاتها بطرد الفلسطينيين من خلال المذابح والاعتداءات التي قامت بها ضد السكان الفلسطينيين. وكشف المشروع الصهيوني عن نفسه بشكل نهائي كمشروع استيطاني اقتلاعي اجلائي وعنصري. بقيام اسرائيل تحقق الهدف المركزي للمنظمة الصهيونية كما حدده مؤتمر بال في عام 1897. وقد دفع الواقع الجديد الى ولادة اتجاه في اسرائيل يقف على رأسه بن جوريون يقول: ان المنظمة الصهيونية العالمية بعد قيام اسرائيل فقدت مبرر وجودها, وقد وقف بن جوريون بقوة ضد مركزية دور المنظمة الصهيونية العالمية. فقد اراد بن جوريون ان تصبح اسرائيل مركز العمل الصهيوني وان تقوم المنظمة الصهيونية بدور مكمل للدولة باقتصار مهمتها على تهجير اليهود الى فلسطين وتقدم تعليم العبرية, وكان له ما اراد في النهاية. وأخذ بن جوريون منذ وقت مبكر من بناء الدولة يبشر بأن الصهيونية العالمية استنفذت اغراضها ويجب ان تتلاشى في منظمة يهودية عامة تساعد اسرائيل. ورأى بن جوريون ان الوقت قد حان ليتخلص من الصهيونية التي وصفها بأنها (أصفاد وأغلال تقيد الدولة) . مقابل موقف بن جوريون القائل بانتهاء دور المنظمة الصهيونية, كان موقف ناحوم جولدمان رئيس المنظمة, الذي اعتبر ان بناء اسرائيل لم ينته بعد وأنها ما زالت تحتاج الى السقالة التي رغب بن جوريون بهدمها. ويقول جولدمان في مذكراته (لدى اعلان قيام دولة اسرائيل ومجيء دافيد بن جوريون على رأس حكومتها, جرى حرمان المنظمة الصهيونية من كل نفوذ في السياسة الاسرائيلية) . ومن جهته نادى جولدمان بعدم الفصل بين السلطات والصلاحيات بين حكومة اسرائيل والمنظمة الصهيونية العالمية. ويبرر ذلك على اساس الوضع الخاص للدولة اليهودية. قائلا (مع انني لم اطالب ابدا, كما فعل العديد من زملائي, باعطاء اللجنة التنفيذية الصهيونية صوتا في تعزيز السياسة الاسرائيلية) . ويبرر ذلك على اساس الوضع الخاص للدولة اليهودية, قائلا (مع انني لم اطالب ابدا, كما فعل العديد من زملائي باعطاء اللجنة التنفيذية الصهيونية صوتا في تقرير السياسة الاسرائيلية فمازلت اعتقد بأن الاصرار على السيادة المطلقة لاسرائيل, رغم ما يكتنفه من ضرورة شكلية, لا يتصف بشيء من الحكمة عندما يتم تطبيقه على السياسة العملية) . وقد طالب جولدمان ان تمنح المنظمة الصهيونية صوتا استشاريا في شؤون اسرائيل الحيوية على الاقل, دون ان ينجح في ذلك. خلال الصراع, بقيت المنظمة الصهيونية تتراجع امام اسرائيل, الى ان اصبحت اداة في يدها, بما يحقق لاسرائيل مبتغاها, وللصهيونيين في الخارج (راحة الضمير) من دون ان يلتزموا املاءات مقولاتها وقراراتها. وظلت المنظمة الصهيونية تقوم بمهمات في اسرائيل والخارج مع نوع دعم الهجرة, والتمويل, والتثقيف, الدعم السياسي, والنشاط الاعلامي. لقد وضع المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين في يونيو 1968 حدا لهذا الصراع, ففي جميع المؤتمرات السابقة اطلت المفاهيم المتصارعة لدى المعسكرين بأشكال جديدة. فمن جهة اكدت المنظمة ضرورة تجديد حيويتها المفقودة منذ تأسيس الدولة مشددة على اهمية استمرار وازدهار يهود المنفى, ليشكلوا (الدرع الواقي لاسرائيل) والمعين المغذي لها في الخارج ضمن هدف شامل عنوانه (تأمين بقاء الشعب اليهودي) . ومن جهة ثانية اصرت اسرائيل على ان القضية الاساسية ليهود العالم وللمنظمة الصهيونية بالتالي, هي تقوية اسرائيل بالهجرة اليها لا بتهجير الاموال اليها فحسب, وعلى اساس (مركزية اسرائيل) في كل الامور, لأن ذلك هو الكفيل بضمان (بقاء الشعب اليهودي, في العالم اجمع) حسم المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين عام 1968 هذا الصراع على قاعدة (مركزية اسرائيل) عندما نص برنامجه على ان (أهداف الصهيونية هي وحدة الشعب اليهودي ومركزية ارض اسرائيل, وجمع الشعب اليهودي في وطنه التاريخي عن طريق الهجرة من كل البقاع, وتقوية دولة اسرائيل القائمة على مثل الانبياء في العدالة والسلام والمحافظة على اصالة الشعب اليهودي بتنمية التعليم اليهودي واللغة العبرية وبث القيم الروحية والثقافية اليهودية) . يمكن القول انه منذ خسارة جولدمان للصراع بين المنظمة الصهيونية وحكومة اسرائيل, بدت المنظمة راضية تماما عن دورها كتابع لاسرائيل مهمته تقديم المساعدات المالية والبشرية والاعلامية والسياسية. منذ الستينات وجدت في اسرائيل وجهة نظر تحاول اعادة النظر بالصهيونية وبطبيعة اسرائيل, وقد عبر يوري افينزي في وقت مبكر عن وجهة النظر هذه, معتبرا انه (مع استقلال اسرائيل ماتت الحركة الصهيونية ميتة طبيعية, وهي تحيا حياة وهمية) . لقد وصلت الصهيونية كحركة هجرة عالمية لاسرائيل. ويجب اعادة النظر في الايديولوجيا الصهيونية. ان هذا التيار المعارض لصهيونية الدولة اخذ في النمو منذ الحين, وان كان نموه طبيعيا. كما نما في السنوات الماضية ما يسمونه في اسرائيل تيار (ما بعد الصهيونية) الذي يعيد النظر في الاساطير المؤسسة لدولة اسرائيل, ويعيد النظر في الرواية الرسمية الاسرائيلية لتاريخ الصراع. اذا كان من الصحيح ان قيام اسرائيل كان تجسيدا للمشروع الصهيوني, فإنه من الصحيح ايضا ان هذا التجسيد كان أقل من الطموح الى حد كبير, لذلك, هناك في اسرائيل من يعتبر ان المشروع الصهيوني ما زال بحاجة الى استكمال كما يدعو اليمين القومي في اسرائيل. فرغم الانجاز الهام للصهيونية بإقامة دولة اسرائيل, الا ان الصهيونية فشلت في تحقيق حشد اليهود في دولة اسرائيل, كما فشلت في ان تكون اسرائيل المكان الاكثر راحة وأمنا وسعادة لليهود. ان الاسطورة الصهيونية التي استطاعت في النصف الأول من هذا القرن ان تجسد نفسها في دولة, قد افرزت العدوانية والعنصرية من اجل استكمال هذا المشروع الذي اخذ يصطدم بمجموعة من العوائق الموضوعية التي وضعت الايديولوجيا الصهيونية في موقع الشك, والشك في قدرتها على استكمال مشروعها كما يتمنى غلاتها. فقد تراجعت قدرة اسرائيل على التوسع واحتلال الارض وطرد السكان, وكانت تجربة الاحتلال الاسرائيلي لأراضي 1967 المثال الحي على ذلك. فقد فشل الاحتلال الاسرائيلي في تفريغ الاراضي المحتلة من السكان. كما فشل المشروع الاستيطاني في الاراضي المحتلة بانجاز ما أنجزه في العام 1948, فالانجاز الاستيطاني كان متواضعا, بحيث يشكل المستوطنون نسبة ضئيلة بالنسبة للسكان الفلسطينيين في الاراضي الفلسطينية. كما ان قيام دولة اسرائيل قد تمت تغطيته عبر الشرعية الدولية بقرار التقسيم الصادر في العام 1947, وقد سمحت الظروف الدولية بذلك في حينها, مما شرع اقامة الدولة. لكن الواقع التوسعي الذي قام بعد 1967 لم يتم تشريعه, ولا يبدو ان ذلك ممكنا في الافق. بذلك ظل الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وغزة غير مشروع من وجهة النظر الدولية بكافة المعاني, كما ان اليهودي الساعي الى الهجرة من أي بلد, لم تعد اسرائيل أولوياته. العامل الرئيسي الآخر يشكل قلقا لاسرائيل, هو تراجع عدد اليهود في العالم من 17 مليونا في الستينات حسب التقديرات الى 13 مليونا في العام الحالي. وكان هذا الموضوع موضع نقاش في لجنة تم تشكيلها حديثا في اسرائيل لمراجعة هذا التراجع. ان الصهيونية قامت ارتباطا بحل (المشكلة اليهودية) لتخليص اليهود وانقاذهم من معاناتهم. والآن في نهاية القرن العشرين تحولت معاناة اليهود الى ذكرى. فأوضاعهم في كثير من البلدان أفضل من اوضاعهم في اسرائيل ذاتها. لقد جلبت الصهيونية الكوارث الى المنطقة من خلال العدوانية والعنصرية, وان الحالة الامثل لتحقيق السلام في المنطقة, ان يحيا اليهود حياة طبيعية في المنطقة, بالتخلي عن صهيونية اسرائيل.

تعليقات

تعليقات