مع الناس ـ بقلم : عبدالحميد أحمد

من نعم الله علينا في هذا القرن, من بعد الطائرات والسيارات والكهرباء والثلاجات والهواتف المتحركة والكمبيوتر, العلماء الذين يخترعون لنا الأدوية والعقاقير لعلاج أمراضنا وضعفنا وإحباطنا, كالذين توصلوا بالصدفة الى (فياجرا) السحري, الذي ضمنا معه نهاية حياة سعيدة . هذا الدواء مثلما تلقفه عشرات الآلاف في امريكا وأوروبا هذا الشهر معلقين عليه الآمال العريضة بالعودة الى الصبا شيوخاً وشباباً معاً, فان مثلهم من العرب من يترقبه في دياره لكي يجرب حظوظه فيما تبقى له من عمر, بعدما عجزت كل الأدوية الشعبية والأعشاب عن اصلاح ما أفسده الدهر, وكاد اليأس يصيبهم في مقتل, خاصة أن العلماء أنفسهم سرعان ما طوروا العقار ليعطي مفعوله في دقائق بعد ان كان يحتاج الى ساعة من الإنتظار, فيستعيد الرجل من هؤلاء المجد الضائع في دقائق بعد سنوات من نوم أهل الكهف. ونكتفي بذلك من (فياجرا) الذي يبدو أننا سوف نحتاج الى سنوات لكي يصلنا, فالغرب لا يريد لشعوبنا وشعوب العالم الثالث الصحوة الكاملة لكي نخوض معارك التحرير والتنمية عن طريق الشعور بالرضا والراحة والكبرياء, خاصة انه يتهمنا من دون (فياجرا) بالتكاثر النووي وتعريض أمن العالم للخطر, ما يجعله يؤجل وصول العقار الينا لسنوات لكي لا نزداد خطرا عليه, ما أتصور أننا سنلجأ الى تهريبه الى الدول العربية, كما نهرب حاليا اليورانيوم والاجهزة الحديثة لصناعة المدافع العملاقة والقنابل النووية. هذه طبعا عنصرية غربية تذكرنا بعنصرية جنوب افريقيا سابقا, والتي لم تنته حتى الآن على الرغم من تسلم نيلسون مانديلا زمام الحكم منتخبا من الشعب كأول رئيس أسود للبلاد, مما نجدها في المزارع الاسود الذي تعرض للضرب المبرح هذا الاسبوع من مزارع أبيض لمجرد انه استخدم حمارين أحدهما أسود والثاني ابيض, لجر عربة في مزرعته, في خطوة منه تشير الى انتهاء العنصرية والى ولادة جنوب افريقيا الجديدة, لولا ان ظنه خاب بعد العلقة المعتبرة. وبما أن المزارع الاسود يؤمن بقضيته ويناضل من أجلها على خطى رئيسه, فانه لم ييأس بعد العلقة وأصر على المؤاخاة بين الحمارين واستخدامهما على قدم المساواة, فليس من فضل للحمار الابيض على الحمار الاسود, ولكل حسب عرقه وعمله, ومع ذلك فيذكرنا هذا الخبر بالعنصرية المستمرة في الغرب على الرغم من الانظمة الديمقراطية وادعاءات حقوق الانسان. ففي بريطانيا مثلا احتجت بلدية احدى القرى على صاحب مطعم آسيوي لأنه استخدم طوبا أبيض ناصعا وبالغ النظافة وطالبته باستبداله بالطوب الأسود هذه المرة, بحجة ان مثل هذا الطوب اللامع لمطعم نظيف لن يجذب سكان المنطقة الذين سيعتبرونه فوق مستواهم, على حد تعبير البلدية, ما يعبر عن عنصرية هذه المرة غريبة, لأن البلدية المفترض فيها ان ترفع مستوى السكان معيشيا بدلاً من ان تطالب باستخدام الطوب الاسود لكي يلائم مستواهم الحالي. وربما تكون البلدية المذكورة أول بلدية في العالم لا تعجبها النظافة فتطلب من المطعم ان يكون قذراً ووضيعاً لكي يعبر عن حالة القرية وأهلها, فنتركها الى جنوب افريقيا مرة اخرى حيث كانت قمة العنصرية فيها وتعاني من ذيولها الى اليوم, فنقرأ عن النحل الذي هاجم مانديلا في الحمام ولسعه في بطنه خمس مرات وفي اماكن اخرى (لا يمكنني ذكرها) كما عبر عن ذلك مانديلا نفسه, والذي أمكنه ان يتخلص منه بانحناءات قتالية ومن ثم الفرار, ساعده في ذلك لياقته البدنية وكونه ملاكما سابقا. واذا لم يتهم صحفي مثلي النحل بالعنصرية لا سيما انه اشقر يكره السود, فإني أتهم الغرب نفسه هذه المرة بتنظيم هذا الهجوم من قبل النحل على مانديلا, لاختبار كامل قواه الجسدية, واكتشاف أي حالة عجز عنده, فيكون مانديلا خير وسيلة للدعاية لها عن عقار (فياجرا) , فهذا الرجل الثمانيني على وشك الزواج من أرملة رئيس دولة اخرى, ما يجعله الأنسب على مستوى العالم لمثل هذه الدعاية عن عقار الشباب والحيوية والقوة ومكافحة العجز, لولا أن مانديلا بوصفه مناضلاً من أجل الحرية فوت الفرصة هذه المرة أيضا على الغرب من سوء استخدامه حين فر من النحل قبل نجاح مهمته الاستكشافية.

تعليقات

تعليقات