إدارة كلينتون في عهد لوينسكي: بقلم - هيلينا كوبان

بعد أن دخلت قضية (لوينسكي) شهرها الثالث أصبح بالامكان الآن تقييم آثار هذه القضية المؤسفة على قدرة الرئيس بيل كلينتون على ادارة شؤون السياسة الخارجية . يبدو أن من أول وأهم الآثار التي أفرزتها هذه القضية هي أنها أجبرت الرئيس والعديد من مستشاريه المقربين على التراجع الى خنادق سياسية آمنة ولتجنب الخوض في أي من القضايا الحساسة والمثيرة للجدل والتي يمكن ان تصب الزيت على النار التي يؤججها أعضاء الكونجرس الجمهوريون للرئيس كلينتون. ومن ضمن هذه الامور الحساسة قضية تقديم الحكومة الاعتمادات المالية اللازمة لتمويل برنامج لتوزيع الحقن النظيفة مجانا على مدمني المخدرات وخصوصا بعد ان أكد العلماء وخبراء الاحصاء ان هذا البرنامج قد ينقذ ارواح الآلاف من ناحية ويوفر الاموال التي تدفعها الحكومة على علاج المواطنين الذين يلتقطون عدوى الايدز نتيجة استخدامهم للحقن الملوثة. لقد كانت الحكومة على وشك اعلان موافقتها على تأمين الاعتمادات المالية ولكنها تراجعت في اللحظة الاخيرة بعد ان اصدر مساعدو الرئيس حكمهم ان مشروع القرار سيستقبل بفتور في الكونجرس الامريكي. ومن الامور الاخرى ايضا قضية التجارة الخارجية ومحاولة الفوز بتشريع يفتح الطريق أمام (المسار السريع) في مفاوضات التجارة الخارجية فقد أعلنت ادارة الرئيس كلينتون في شهر يناير الماضي ان التشريع كان على رأس أولوياتها, الا ان معارضة المشروع في الكونجرس أجبرت الادارة مرة اخرى على التراجع. وتضمنت كذلك تراجع الرئيس كلينتون بعد ان كان على وشك ممارسة قدر قليل من الضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو. ليقدم بعض التنازلات في مفاوضاته مع الفلسطينيين. وبدلا من أن استدعاء نتانياهو الى واشنطن ليوجه له ما يشبه الانذار النهائي, أرسل كلينتون وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت لاجراء محادثات عقيمة مع نتانياهو مرة اخرى ولكن في لندن. لا يخفى على أحد ان هذه قضية في غاية الاهمية حتى على الصعيد الداخلي بالنسبة للرئيس. فلو كان جادا في مسعاه, لكأن أكثر حرصا على معالجة الموضوع بنفسه بدلا من ارسال اولبرايت مرة اخرى بالرغم من فشلها في تحقيق اي تقدم يذكر في رحلاتها السابقة الى المنطقة. افضل ما يمكن توقعه حتى الآن هو ان تكون ادارة كلينتون قد حضرت بالتعاون مع نتانياهو, وخلف الكواليس شيئا ما يتعلق بالانسحاب من الضفة الغربية, ولكن هذا (الافضل) الذي لا يزيد عن 11% من مساحة الضفة قد يكون انجازا من وجهة النظر الامريكية (ليقولوا للعالم اننا نجحنا باقناع نتانياهو بتقديم تنازلات!), الا انه من الصعب, ان لم يكن من المستحيل, الاعتقاد بأن هذا التنازل سيكون ذا قيمة للفلسطينيين أو لقيادتهم. وفي هذه الاثناء ذهب نائب الرئيس الامريكي آل جور للمشاركة في الاحتفالات التي اقيمت بمناسبة مرور 50 عاما على اقامة اسرائيل. وفي هذا الصدد لابد من ابداء بعض الملاحظات. أولا: كان جور القائد الأجنبي الوحيد الذي يشارك في برنامج الاحتفالات الرسمية. فهل كان المدعو الوحيد؟ أم انه كان الوحيد من بين مجموعة كبار المدعوين الذين لبوا الدعوة؟ مهما كان الأمر فانه لابد من التأكيد على أن حضوره كان مدعاة للدهشة, وخصوصا ان نتانياهو ومن حوله من المستشارين والمخططين انكروا حتى على الرئيس الاسرائيلي عيزرا وايزمان حقه بأن يلقي كلمة ضمن الفعاليات الرسمية للاحتفال, خوفا من أن يقول شيئا حول ضرورة اجراء حوار أكثر فعالية مع الفلسطينيين, وهو ما كان قد صرح به فعلا في اطار الفعاليات الأقل أهمية خلال الاحتفالات. وعلى النقيض من ذلك فأن جور لم يقل شيئا يمكن تفسيره في أي شكل من الاشكال على انه انتقاد لمضيفيه الليكوديين, كما أنه لم يأت على ذكر الفلسطينيين لا من قريب و لا بعيد. لا يخفى على أحد ان زيارة جور هذه لاسرائيل ماهي الا محطة مبكرة في حملته للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي له للانتخابات الرئاسية عام 2000. و للتأكيد على صحة ما نقول, حرص جور أثناء زيارته للقدس على الاجتماع مع مجموعة من كبار المتبرعين الامريكيين ليس للمنظمات اليهودية وحسب ولكن للحزب الديمقراطي أيضا. وبما أنه لا يحق للرئيس كلينتون أن يترشح لولاية ثالثة, فأن بامكانه اتخاذ خطوات وقرارات قد تؤدي الى حدوث توتر قصير الاجل مع الحكومة الاسرائيلية, كما فعل الرئيس الامريكي السابق جورج بوش عام ,1992 عندما ربط قضية ضمانات القروض لاسرائيل ببرنامج حزب الليكود لبناء المزيد من المستعمرات في الاراضي الفلسطينية المحتلة. ولكن يمكن ان ينظر المراقب الى هذه القضية من وجهة نظر اخرى, كأن يأخذ بعين الاعتبار رغبة جور الملحة ليصبح رئيسا للولايات المتحدة, وان الرئيس كلينتون يحجم عن الاقدام على أي عمل يمكن ان يعرض فرص صديقه الحميم للخطر, وتشير الكثير من الدلائل الى ان هذا هو الموقف الذي تبناه كلينتون حتى الان. واذا القينا نظرة سريعة على بقية الاعضاء في دائرة صنع القرار بشكل عام ووزيرة الخارجية اولبرايت ومستشار الأمن القومي ساندي بيرجر على وجه الخصوص فانه يبدو واضحا ان كلاهما يتطلعان لمستقبل سياسي ولعب دور مميز في الادارة الامريكية حتى بعد انتهاء ولاية كلينتون الثانية وخصوصا انها نهاية عصر كلينتون ستكون مخيبة للآمال لأنه اما سيضطر الى الاستقالة او الى قبول المزيد من اضعافه وتحجيمه على ايدي الكونجرس من ناحية وقضية لوينسكي من ناحية اخرى حتى نهاية ولايته في يناير ,2001 ولذلك فانهما سيكونان أكثر اهتماما وحرصا على حماية مصالح آل جور السياسية, الا توافقوا معي ان هذا سيؤثر على النصائح المتعلقة بقضايا السياسة الخارجية وخصوصا قضية الشرق الاوسط التي يقدمانها لرئيسهم الحالي بيل كلينتون؟ لقد عرف عن جور انه يتمتع بذكاء حاد. وقد يكون من الافضل له ان يحسب الامور من منظور أبعد بكثير من الانتخابات الرئاسية المقبلة. وانا أميل الى الاعتقاد بأنه أصبح واضحا لدى الجميع انه اذا لم يبادر الامريكيون وفي القريب العاجل الى كبح لجام نتانياهو وجماعته فان انفجارا هائلا سيحدث في منطقة الشرق الاوسط خلال السنوات العشر المقبلة, واذا ما استمرت الولايات المتحدة بحماية وتمويل الليكوديين خلال هذه السنوات, فان جزءا كبيرا من هذا الانفجار سيكون موجها وبشكل مباشر ضد المصالح الامريكية, اضف الى ذلك انه اذا تحققت طموحات جور السياسية كما يخطط لها الآن, فان الانفجار سيقع في نفس الفترة التي يتربع فيها على عرش السلطة, ولن يكون هناك من شيء يمنع الامريكيين من توجيه السؤال التالي له: ماذا فعلت ياجور لنزع فتيل الانفجار عندما سنحت لك الفرصة عام 1998؟

تعليقات

تعليقات