ثقافة البندقية والتطرف: بقلم -عادل محمد حسن

واقعة الغدر بأربعة من الصبايا ومعلمتهم في احدى مدارس ولاية اركنساس الامريكية, صعقت الولايات المتحدة وسكان مدينة جونسبور التي وقعت فيها المجزرة. الحادث لم يرتكبه عتاة المجرمون في الولايات المتحدة , بل نفذ من قبل تلميذين من تلامذة المدرسة نفسها بأسلوب ينم عن تدريب وتخطيط اجراميين على شاكلة اساطين الاجرام. فالتلميذان اللذان لا يتجاوزا الحادية والثالثة عشر من عمرهما بادرا قبل تنفيذ الجريمة الى تشغيل جرس الامان لكي يخرج التلاميذ الى باحة المدرسة مما يتيح لهما حصد اكثر الارواح من زملائهم. وقد استخدما احدث البنادق الاتوماتيكية المتوفرة بكثرة عند المواطنين في الولايات المتحدة. وتعد هذه الحادثة الخامسة من نوعها خلال الخمسة اشهر الاخيرة. كما اشرنا الى ان هذا الحادث ليس الاول من نوعه في القسم الجنوبي من الولايات المتحدة. فقد سبق ذلك عدد من الحوادث المماثلة في الولايات الجنوبية. ففي الاول من اكتوبر الماضي في مدينة بيرل ــ ولاية مسيسيبي بادر احد التلاميذ (16 سنة) الى قطع عنق امه ثم توجه بعدها الى مدرسته حاملا بندقية اتوماتيكية وقتل تلميذتين من زميلاته في الصف وجرح اخريات. وتكرر حادث آخر في الاول من ديسمبر من العام الماضي في ولاية كنتاكي حيث هاجم احد التلامذة (14 سنة) مجموعة من التلامذة المصلين وأودى بحياة تلميذتين وجرح خمسة آخرين. واعقب ذلك حادث آخر في مدينة ستامبس ــ ولاية اركنساس جريمة اخرى قام بها احد التلامذة (14 سنة) باقتحام مدرسته ووجه نيران بندقيته ضد تلامذة صفه وجرح اثنين من زملائه. هذه الحوادث المروعة دفعت العديد من التربويين الى التساؤل والحيرة ازاء دوافع مثل هذا السلوك الاجرامي عند الاحداث وفي المدارس على وجه الخصوص. ففي تقرير عن السلامة داخل المدارس اعدته وزارة التعليم الامريكية اشير الى ان هناك جريمة خطيرة واحدة من اصل عشرة جرائم تحدث في مدارس الولايات المتحدة. وهناك 4000 حادث اغتصاب و 18 الف حادث هجوم وسطو بالاسلحة النارية يقوم بها التلامذة الامريكان. وفي مسح اجري أخيراً اشير الى ان 12.6% من تلامذة المدارس الريفية في ولاية مونتانا يتجهون الى مدارسهم وفي معيتهم قطع من الاسلحة النارية, وتشير احصائيات البوليس الفيدرالي الامريكي إلى ان هناك 318 شخصا يعتقلون يوميا في سائر انحاء الولايات المتحدة لاتهامهم بالقيام باعمال عنف, ومن اللافت ان الحوادث المماثلة تنحسر في المدن الرئيسية في حين انها تزداد في المناطق الريفية من الولايات المتحدة. ولكن يبقى السؤال يطرح نفسه عن الاسباب التي تؤدي إلى مثل هذه الحوادث, يعتقد الكثير من الاطباء النفسانيين المتخصصين بالاطفال ان هناك ظاهرة عامة تهيمن على المجتمع الامريكي, وهي ظاهرة اغتراب الطفل عن الحياة العائلية في المرحلة الراهنة, ان بقاء الاب والام خارج البيت بسبب العمل وعدم احتكاكهم باطفالهم الا خلال عطلة الاسبوع يحد من تلك الضوابط الاجتماعية الرادعة للعنف عند الاطفال, ويشيع حالة عدم الاحساس بالامان لدى الطفل بسبب غياب الوالدين, ويصبح العالم المحيط بالطفل لا يثير البهجة بقدر ما يثير الحقد والاشمئزاز. ومما يزيد من الطين بلة ان تعاني العائلة نفسها من مشاكل العلاقات الزوجية أو الجنوح إلى الجريمة أو المخدرات التي راجت في الولايات المتحدة في السنوات الاخيرة, وهنا لا يبقى للطفل من معين أو موجه إلا التلفزيون والكومبيوتر وبيئة المدرسة والمحلة التي تعاني من شوائب اجتماعية جدية, فالتلفزيون والعاب الكومبيوتر وشرائط الفيديو غالبا ما تحوي على مضامين تمجد العنف والجريمة والجنس المنفلت, مما يشوه نمو شخصية الطفل باتجاه الامور الاكثر اتزانا واستقرارا, وهنا ينفصل الطفل عن حياة الطفولة البريئة وافكار اللعب الطفولي والاحساس بالامن, ففي الولايات المتحدة يقتل 318 طفلا يوميا, وهو ما يطلع عليه الاطفال من خلال شبكات التلفزة الواسعة, كل ذلك يدفع الطفل إلى التوسل بالعنف ويوجه البندقية نحو اقرانه لحل خلافاته. ان كون هذه الحوادث الاخيرة قد وقعت في الولايات الجنوبية, فهي تتميز عما يحدث في الولايات الاخرى, فالولايات الجنوبية الامريكية تتميز بالتعصب الاثني والديني ورواج ثقافة العنف والتمييز العنصري, فلهذه الظواهر جذور تاريخية, ولهذا انتشرت في الولايات الجنوبية في السنوات الاخيرة الميليشيات شبه العسكرية الدينية المتعصبة التي تقوم باعمال الانتحار الجماعي أو الابادة الجماعية, ومنهم من يمارس بدعة عبادة الشيطان, ويتعاطف مع هذه الميليشيات قرابة خمسة ملايين شخص, كما ان هذه الميليشيات تجتذب المراهقين والفتيان معتبرين افرادها ابطالا وطنيين ومدافعين عن الحرية وضد الحقد وضد مظالم الحكومة!! ولبريق السلاح في هذه الولايات طعم خاص يصل إلى حد العبادة, ففي تقرير نشره البوليس الفيدرالي يشير إلى هناك شخصا من كل خمسة اشخاص يقتنون الاسلحة النارية, في حين تصل هذه النسبة في الجنوب إلى 40%, وليس من قبيل الصدفة ان يكون جميع من ارتكب الجرائم الاخيرة من البيض وتدربوا على استخدام الاسلحة بتشجيع من آبائهم ولهم صلة بالميليشيات شبه العسكرية المتطرفة أو لهم علاقة بما يسمى بعبدة الشيطان, وغالبية هؤلاء الاحداث ينحدرون من عائلات غير فقيرة, وهنا فالعامل الاقتصادي لا يمثل الدافع لمثل هذه الجرائم. ان الدوافع الرئيسية لمثل هذه الجرائم تعود إلى خلل خطير في المجتمع, وكما تشير مريام ادلمان, مديرة مؤسسة الدفاع عن الطفولة في جيورجيا, إلى ان (ليس هناك ما يثير البهجة لدى الاطفال في محيطهم انهم انفصلوا عن حياة الطفولة البريئة وعن افكار اللعب الطبيعية وفقدوا الاحساس بالامن في البيئة التي يعيشون فيها) , ان الاطفال يعيشون في بيئة تمجد العنف وتهمش التسامح, وان عدم معالجة الجريمة اجتماعيا واداريا من قبل الادارات الامريكية وتفاقمها تزيد من ولع الناس باقتناء البندقية ظنا منهم ان ذلك يجلب الامان, كما أن بعض الادارات الامريكية, ومنها الادارة الحالية, لم تستطع اتخاذ اي اجراء ضد انتشار الاسلحة وحرية اقتنائها في الولايات المتحدة, فكلما يجري الحديث عن النية في الحد من تداول الاسلحة, تنبري الشركات المصنعة للاسلحة بالضغط لافشال اي مشروع من هذا النوع, فالمهم لدى هذه الشركات الحصول على الربح وليس الانسان ولا خلق اجواء الامن للاطفال والكبار. ومن هنا فان الولايات المتحدة عندها معضلة كبيرة, ومهمة معقدة في كيفية معالجة مثل هذه الظواهر الخطيرة في مجتمعها, فهل تنحسر ثقافة العنف والتطرف في الولايات المتحدة, ام انها تنتعش لتولد المزيد من المآسي؟

تعليقات

تعليقات