وقفة عند نسق يتكررـ بقلم: توجان فيصل

لا نعيش بعقلية المؤامرة.. ولكن بعض ما يجري على الساحة الدولية فيما يخص قضايانا المصيرية, وانحياز بعض التنظيمات والمؤسسات الغربية لمواقف تخالف توجهات الشعوب العربية وتنتقص من مصالحها بات واضحا .. بل ان هذه المواقف اصبحت تشكل نسقا مثيرا للتساؤل من حيث تكراره أولا, ومن حيث تعارضه مع أساسيات الفكر السياسي الغربي ومبادئه المطبعة داخل دوله وداخل المؤسسات المتخصصة تلك. ونتوقف هنا بالذات عند دور الإعلام الغربي والهيئات المانحة للجوائز الدولية من الصراع القائم بين العالم العربي والصهيونية العالمية ممثلة باسرائيل, وبالذات ما يتعلق بما يسمى بمسيرة السلام مؤخرا. وبعيدا عن التغطية الاعلامية المنحازة بأغلبيتها الساحقة, والتي أصبحت أمرا مألوفا ومتوقعا, نفرد هذا البحث لمخططات أعمق وأخطر أثرا, بدأت تتجلى في النسق الذي أشرنا اليه, ومنها الترويج الاعلامي, وحتى (تلميع) صورة الحكام العرب بقدر سير هؤلاء فيما يسمى بعملية السلام والتطبيع مع اسرائيل, وبغض النظر عن توافق هذه المواقف والسياسات التي يجري تلميعها مع إرادة الشعوب العربية, بل وبالرغم من تعارضها وتناقضها مع تلك الارادة ومع مصالح الشعوب, بل ومع مبادىء المؤسسات التي تقوم بهذا التلميع. ونبدأ مع بداية التطبيع ومشروع (السلام) الاسرائيلي نبدأ بالسادات, وسنتذكر كيف جرى تلميع صورته عبر الاعلام الغربي على أنه قيادة تنويرية صانعة للسلام. هذا مع أن السادات كان يفتقد لكل المقومات التي تقنع الاعلام الغربي. فهو يصر على التحدث بالانجليزية مثلا رغم ركاكة انجليزيته. وهذا أمر يجعل صاحبه يبدو في صورة كاريكاتيرية. فهو يتحدث بقوالب عربية ينقلها حرفيا الى لغة وثقافة اخرى, مما يجعل حديثه أبعد ما يكون عن اقناع الطرف الآخر أو التأثير الايجابي فيه. ومع ذلك جرت الاشادة بهذا القائد العربي صانع السلام, وجرى تعظيم للذات غير حقيقي وغير واقعي وصل, في حالة السادات الى نوع من جنون العظمة.. وظاهرة السادات (النفسية) أصبحت الآن مدار بحث في العديد من الصحافة والأبحاث الجادة في العالم العربي. ولكن كالعادة يأتي البحث, كما كل أشكال الصحوة وكل محاولات الفهم والتحليل متأخرا. ويأتي لاحقا للحدث لا سابقة عليه أو مواكبا له, وبالتالي يتحول الى نوع من الترف الفكري, مع أن الشأن هنا (سياسي) , اي أنه شأنه يتعلق (بالآن) وبالقرارات المتخذة الآن) . ولم يكن تلميع السادات مقتصرا على الاعلام الغربي الذي يتوقع منه ان يصعد ويهبط, والذي يمكن أن يتعذر القائمون عليه بخصوصية الفهم والرؤية, وحتى بالمزاج الشخصي للكاتب او حتى ــ وبصراحة ــ بمصالح الصحيفة أو الحزب او التيار الذي تنتمي اليه وتمثله. فقد امتد (تلميع) السادات الى المؤسسات التي يفترض أنها قامت على (مبادىء) وقامت لخدمة تلك المبادىء, والتي اكتسبت مصداقيتها واحترامها واحترام قراراتها (وجوائزها) على التزامها بتلك المبادىء. وأهم وأخطر سقطات تلك المؤسسات ما جرى من تسليم جائزة (نوبل) للسلام للسادات وبيجن. ولعل تكريم الثاني ــ اسحق بيجن ــ أن يكون تأكيدا لتسخير مؤسسة كمؤسسة نوبل لخدمة سياسة عالمية بصورة تخرق كافة مبادىء تلك المؤسسة, وتوضح أن تكريم الأول هو انصياع لمصالح وسيطرة الثاني والمنظمة الصهيونية التي ينتمي اليها. وبذات الطريقة جرى تلميع عرفات, ولكن مع تحفظ استمر حتى الآن. والسبب هو أن لعرفات خلفية وتاريخا نضاليا امتد الى ما قبل أوسلو. والغرب الذي يغض الطرف عن تاريخ بيجن الدموي لا يغفر بالمقابل نضال عرفات ولو بثمن فادح من مصالح الشعب الفلسطيني مثل أوسلو. وفي لحظة حقيقية أشبه بزلة اللسان ــ وهي زلة نتوقع أن تتبعها تصريحات محسوبة ومقصودة هذه المرة اذا ما استمر موقف عرفات حتى اعلان الدولة ــ صرحت الــ (بي بي سي) قبل أيام بما يمكن ان نعتبره تقييمها الحقيقي لاوسلو ولدور عرفات ولما قدمته أوسلو فعلا للشعب الفلسطيني. أو بالاحرى, لما فرطت به أسلو من حقوق الشعب الفلسطيني. فمحطة الــ (بي بي سي) في تعليقها على اصرار عرفات على اعلان الدولة الفلسطينية عام ,1999 قالت ان عرفات لن يكون بهذا الاعلان رئيس دولة, بل مجرد رئيس لرؤساء بلديات!!! ألم تكن الــ (بي بي سي) تعرف هذا حين كانت تشيد بأوسلو, او من كانت تردد مع غيرها مقولات (سلام الشجعان) أو حتى فترة قريبة, مقولات ضرورة التحلي بالشجاعة اللازمة لاتخاذ مواقف (صعبة ومؤلمة) بقصد تقديم المزيد من التنازلات من قبل عرفات, لتحريك مسار أوسلو الى ما دون ما التزم به الاسرائيليون في أوسلو تلك.. أي الى ما دون (بلدية) او مجموعة (بلديات) فلسطينية لا تقارب الدولة في شيء, ولا تمثل تقرير مصير الشعب او حتى الخروج من حالة الاستعمار والاحتلال!! وبعد هذا يأتي تكريم الملك حسين باعتباره (صانع سلام) كرس ما يقارب النصف قرن من حياته لالتزام هذا بالسلام.. حسب وصف تجمع الاعلام الألماني الذي منحه جائزته لعام 97 قبل أيام, وبحضور عرفات ــ كنوع من التلويح بالجزرة للأخير ــ وبحضور بيريز وعدد منتقى من السياسيين نكاد نجزم بتوجهاتهم!!! ووقفة عند هذا التجمع وجوائزه, وبالذات لدى من منح الجائزة في العام السابق, وهو بوريس يلتسين, الذي يمثل عينة جيدة توضح معايير ذلك التجمع. ونستعرض على عجالة زعماء العالم الأجدر منه, ويصدمنا بالذات أن الجائزة لم تعرض مثلا على نيلسون مانديلا, أسطورة العصر التي قاربت موعد الرحيل عن هذا العالم بحيث ربما لن يتاح لتجمع الاعلام الألماني أمد طويل لاستدراك خطأهم!!! ونتوقف عند سياسات يلتسين التي خلاصتها انهيار تام لثاني أكبر قوة في العالم, وتفتت المجتمع الذي وفر كافة أساسيات المعيشة لأبنائه الى درك الجوع والنوم في الشوارع وامتهان بناته الدعارة بنسبة تفوق ما في اي مجتمع آخر, وتفتيت اقتصاد كانت الدولة تملك كافة مقاديره لنفع هذه المقادير في يد مافيات تفرض الآن رجال أمنها وساستها على أعلى المناصب.. ثم ان يلتسين ــ وهذا هو الاخطر ــ قام بمحاصرة البرلمان الروسي, معقل الديمقراطية, وقصفه بالمدافع في تصرف غير مسبوق ولا تسكت عنه القوى الديمقراطية الغربية عادة ونتيجة هذا التعامل القمعي مع البرلمان, ممثل الشعوب السوفييتية قاطبة, تمكن يلتسين من تعديل الدستور الروسي بما يتيح له حل (الدوما) اذا لم يوافق على رئيس وزراء يعينه هو.. اضافة الى تعديلات اخرى تمس الديمقراطية وحقوق الانسان. والآن يظهر يلتسين في صورته الدكتاتورية الفردية وهو يفرض على ثاني اكبر دولة, دولة الزعامات التقليدية الاجتماعية والسياسية من فئة الشيوخ ما فوق الخمسين والستين, شابا غدا في الخامسة والثلاثين من افراز المافيات ومصالحها!!! ولانستغرب ــ بعد أن أعلن يلتسين نيته ذلك ولم يعترض أحد لان الغرب لا يسمح لهم بالاعتراض ــ أن يقوم يلتسين بتعديل الدستور الذي تحول الى ألعوبة, يسمح لنفسه بفترة رئاسة جديدة.. اي ليتحول الى رئيس مدى الحياة ربما في كافة دكتاتوريات العالم الثالث!!! هذه هي صورة (الزعيم) الذي كرمه تجمع وسائل الاعلام الألمانية حصرا دون غيره, في عالم فيه زعماء كمانديلا مثلا!!! فهل نصدق أن الألمان يرون في يلتسين صورة الزعيم الامثل, خاصة وهم الشعب الذي يذكر في تاريخه الحديث ــ بخجل واعتذار ــ زعيما مثل هتلر !!! ولنعيد ربط هذه المواقف المزدوجة للاعلام الغربي, وتفسيرها بالسبب الوحيد وراءها, وهو خدمة المخططات الصهيونية, نستذكر هنا لقاء جرى في عمان بين ممثلي المنظمة الصهيونية وبين الملك حسين, في أول لقاء علني له في عمان مع هذه المنظمة, وبعد توقيع اتفاقية وادي عربة بفترة قصيرة. وفي هذا اللقاء القى ممثل الوفد الصهيوني العالمي كلمة قال فيها ان اله اليهود هو السلام, وهذا يتناقض مع كل نصوص التوراه ويعرفه كل دارس لليهودية ويعرفه العالم بعد نموذج عناقيد الغضب في لبنان وما تبعها من تفسيرات توراتية لهذه العملية الدموية, وان الملك صانع سلام فهو بالتالي (شبيه باله اليهود) !! فهل يعقل ان يشبه اليهود, وهم المنغلقون اكثر من أية ديانة اخرى, والمتعالون الى حد اعتبار انفسهم شعب الله المختار, واعتبار الاخرين من الأغيار دون مرتبة البشر... هل يعقل ان يشبهوا أحدا من هؤلاء الاغيار, وبالذات أحدا من المسلمين, باله اليهود الا ان يكون الامر مخططا مدروسا لتعظيم الذات. هذه معادلة للفهم والتحصيل ما قبل وأثناء وليس بعد... هذا اذا بقي (بعد) شيء ننقذه!!

تعليقات

تعليقات