لويس فرقان ومنزلة أمة الاسلام: بقلم _ رجاء جارودي

أتذكر جيدا, ولم تمح من ذاكرتي صورته, ملامحه نبرات صوته والنظرة الشرارية المتقدة الصادرة من عينين كبيرتين معبرتين ولكن صوته كان هادئا خافتا يوحي باقتناع عميق, بعقيدة الدفاع عن امة الاسلام في امريكا وفي العالم ذلك هو لويس فرقان الذي عرفته منذ خمسة عشر عاما حين كان زعيما اقليميا محدودا لمجموعة من النشطين في لوس انجلوس . كانت تلك المجموعة تعتبر بنشاط مجموعات سبقتها تاريخيا لكسر عزلتها في المجتمع الامريكي والدفاع عن مصالحها وهوياتها امام الصلف الابيض مثل مجموعة (مكسيكنز) من سلالات السكان الاصليين لامريكا والذي كانوا ينعتون بالهنود الحمر, وهم في الحقيقة اصحاب حضارة رعوية وزراعية سادت اكثر من ثلاثة آلاف سنة وعرفت هندسة الري الزراعي والتداوي بالاعشاب وارسال الاشارات عن بعد الى جانب اديان بدائية كانت تعتمد مبدأ السلام والمعايشة واذكر ان العوامل التي ساهمت في انجاح مساعي لويس فرقان ورفاقه ودفعت به هو شخصيا الى مساحة تحت الاضواء عوامل التوفيق في مقاومة المخدرات وفي توزيع الصدقات واقرار الزكاة وفي تيسير سبل التربية الاخلاقية في المدرسة والشارع. اما في المعركة الاولى ضد المخدرات فقد كان العمل الواسع المنظم الذي قام به فرقان اجدى نفعا وابعد اثرا من مجهودات الحكومة الفيدرالية وشرطة الولايات الامريكية لانه عمل مخطط وعاقل لا يعتمد فقط مجرد الردع والملاحقة والسجن والتعنيف بل يبدأ من نشاط دعوى يستند الى الاذاعات الصغيرة المنتشرة وذلك بإشاعة تأليف الاغاني وموسيقى (البلوز) المنددة بالماريجوانا والهيرويين حتى نشأت وترعرعت حركة ثقافية وفنية حقيقية تكره الشباب في تعاطي تلك السموم بلسانهم وبواسطة نجومهم الموسيقية وبكلمات ادبية وقصائد شعرية من التراث الزنجي الامريكي وبعزف عبقري يستهوي نفوس المراهقين والشباب الطامح للمثل العليا. في حين كانت حملات البوليس تزرع الضغينة وتنفر الشباب وتلاحق المستعملين للمخدرات دون ضرب رؤوس العصابات الذين يوزعون ويروجون ويجمعون الثروات ويغسلون الاموال والعقول. اما المجال الاجتماعي والتضامني فقد دخله لويس فرقان بعقيدة الاسلام من حيث حق الفقير في مال الغني فأسس شبكة واسعة من الاعمال الخيرية روجت لها بعض التلفزيونات كعمل اهلي مستقل بعيدا عن تدخل السلطة ولذلك جمع حوله جيشا حقيقيا من المتطوعين وفاعلي الخير واهل البر من الشباب وتحقق نسيج تضامني فعال لايزال قويا ومتناميا الى اليوم. اما القطاع التربوي والاخلاقي فقد استفادت منه حركة أمة الاسلام لترسي قواعدها الصلبة في شرائح المجتمع الامريكي فلم تعد الكنيسة وحدها هي صاحبة التنظيم التربوي والاخلاقي بل ظهرت امة الاسلام بمنشورات مبسطة تشرح قيم الاسلام السمحاء وعقيدته وآدابه واخلاقه لشباب متعطش لمثل عليا ومسكون بهواجس الخوف على مستقبله فأعلنت مئات المدارس والمؤسسات التعليمية الحرة انتماءها لمشروع التربية الاسلامية في قلب المجتمع الامريكي واستغل فرقان ثغرات القوانين الفيدرالية او الولائية (قوانين الولايات) ليتغلغل في النسيج الثقافي الامريكي باعلان ميثاق اخلاقي عام يربط بين الافراد والمجموعات ويحمي الاسرة خلية المجتمع الاولى, وينادي بحماية القوي للضعيف والكبير للصغير والكثير للقليل والصحيح للمريض والغني للفقير, بهذه المعاني المبسطة اكتسب فرقان احترام الملايين الذين انضموا الى حركته ونشطوا ضمن خلاياها المنتشرة في شتى انحاء الولايات المتحدة الامريكية. واعتقد ان لهذه الاسباب وقع ترشيحنا ـ أنا وفرقان ـ لنيل جائزة زعيم الثورة الليبية العقيد معمر القذافي وفاز هو بها وكان مبلغ الجائزة مئتي الف دولار, لم توافق السلطات الامريكية بعد ذلك على تحويلها الى مصرف من المصاريف الامريكية لان الحكومة الامريكية تعتبر الجماهير الليبية دولة راعية للارهاب حسب مفهوم الادارة والكونجرس لما يسمونه (الارهاب) وهم يقصدون الكفاح ضد المحتل الاسرائيلي والذي تعتبره منظمة الامم المتحدة مشروعا وحقا من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها. واحقاقا للحق لقد كان موقف لويس فرقان ومنظمة امة الاسلام في المحنة الاخيرة التي تعرض لها شعب العراق موقفا مشرفا له علاقة وثيقة وحميمة بمواقف الشرفاء في العالم لامن بين المسلمين وحدهم بل ومن الكنيسة الكاثوليكية وحتى من بين احرار اليهود حين رفضت امة الاسلام ضرب الشعب العراقي وطالبت برفع الحصار عنه وعن الشعب الليبي وقد اتهمت المنظمة الولايات المتحدة وبريطانيا باثارة الفتن وبانتهاج سياسة مجنونة كما دعا فرقان الى نزع السلاح التدميري الشامل من ايدي اسرائيل وتدمير الترسانة الامريكية الرهيبة من الاسلحة البيولوجية والكيماوية.

تعليقات

تعليقات