ابجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

قلوب كثيرة, يرفرف بها العمر في العمر الاحلى, العمر الذي يجمح كحصان بلا سرج, ولا فارس, ميمما بعيدا الى حيث يرسم الفجر كل الفوارس والخيول البيضاء, ويذهب بها الى الفضاءات الاشهى . تصور... ان تطرق بابك ـ وفي هذا العمر ـ يد صغيرة, وعيون تحدق فيما لا تدريه, وصوت يلقي عليك تحية الصباح او المساء مرتعشا, حيث لا صقيع, ثم فجأة ينطلق اللسان الحبيس موغلا في استخراج ما بداخل البركان الخامد.. تقول لك: لقد مللت هذه الحياة السقيمة, مللت التلفزيون, والزيارات والذهاب للاسواق, ومحلات المجوهرات والخياطة, سئمت مجلات الازياء, وحديث الهاتف, فاضت الادراج, وامتلأت غرفتي بأشرطة اخر اغنيات المطربين والمطربات, مللت النوم الذي لا ينتهي, ضاع طعم الاشياء, فلم اعد اعرف هل يجب عليّ ان أفرح أم أحزن في بعض المواقف!! كرهت الاخرين, نفاقهم, كذبهم, حياتهم التافهة.. ولم أعد أحب شيئا أو أحداً!! غرقت في الهدايا والاموال والرحلات, حتى فقدت لذة الفرحة والدهشة والامنيات التي تداعب القلب بانتظار هدية صغيرة.. وظل حديثها هادرا كطوفان, وظللت اسمعها بهدؤ حتى النهاية فقد كان واضحا انها لا تبحث عن حل, لقد كانت تفتش عمن يصغي لهدير الغضب والألم في داخلها, في نفسي قلت وانا اسمعها (كم تمنيت ان يكون لي بعض الذي تملكين يوم كنت في ذلك العمر البهي.. الذي لا يرى سوى بعين واحدة)! وحين هدأت سألتها عن دراستها فعلمت بأنها أنهت المرحلة الثانوية, ولم تشأ ان (تصدع) رأسها بمزيد من (الشقاء). هل تقرئين؟ فقالت بأنها لم تجرب غير كتب القراءة المدرسية,ومنها كرهت شيئا اسمه القراءة! واسئلة اخرى ربما كانت من الامور التقليدية ان تسأل في هذه المواقف, وكانت كل اجاباتها نفيا ممزوجا بسخرية واضحة وبشيء من الشعور بالخجل والعجز. ولا أدري بالضبط ما الذي قلته لها فيما بعد, لكنني تحدثت معها طويلا, وتعلقت هي بكل الكلام الذي دار بيننا, فكانت كمن يتعلق بخيوط من حرير وياسمين, مع انها كانت مجرد كلمات.. لكنها احست بها مفاتيح جديدة فتحت لها ابوابا لم تفكر يوما بوجودها. وشعرت ساعتها بان أسوأ ما يمكن أن تمر به وانت تقبل على العمر الجميل, احساسك بأن عمرك قد انتهى, وان الحياة عدم وشقاء, مع ان الحياة لم تبدأ بعد او تكاد تبدأ, وها هي تومض بعنفوان واضح في عينيك. الشقاء ان تشعر بأنك بلا قيمة, بلا هدف, بلا حياة, بشعور كهذا ستجد نفسك مدفوعا للدخول الى عوالم من النكسات والاكتئاب والجنون والشعور الذي يأخذك اليه ولا يعود بك الى حيث كنت او كما كنت. وعندما فوجئت جارتنا بولدها معلقا في سقف الغرفة منتحرا, دخلت في غياهب اللاعودة, وقبلها دخل ابنها الغياهب ذاتها. ابناؤنا, واقرب الذين يسكنون القلب والمكان معنا, وقلوب صغيرة اخرى وكبيرة ايضا, مليئة بالشقاء دون ان ندري, وبحاجة لمن يصغي اليها, لنستمع اليهم, لرقصهم فرحا, ولرقصهم ألماً, قبل ان يغادرونا الى غياهب الليل الذي يذهب بكل الفرسان ولا يعود بهم مطلقا, حتى وان بزغ الف فجر وفجر.

تعليقات

تعليقات