دعوة لوقف الاشتباكات المفتعلة: بقلم- د. حنيف القاسمي

منذ اسابيع وبعض صحفنا تشهد مقالات لكتاب تربطني بمعظمهم علاقات اخوة وزمالة. وقد تسببت تلك المقالات في احداث جدل مثير , وكانت مادة حفلت بها المجالس والمنتديات, وذلك بالنظر الى الافكار الرئيسة الواردة فيها من حيث الموقف من (الآخر) في ضوء آرائه وافكاره التي قد نكون خاصة به, او معبرة عن توجه فكري معين. والملفت ــ ايضا ــ ان لغة غريبة تضمنتها تلك المقالات ومحتواها المسكون بالشك والارتياب, والذي وصل في بعض الاحيان الى حد الاتهام. وعلى الرغم من قلة نشر تلك المقالات في الآونة الاخيرة الا ان الجدل حول مضامينها والتيارات التي يمثلها اصحابها لازال مستمرا ومستهلكا وقتا وجهدا في غير محلهما وقد دفعني هذا الاستمرار الى الكتابة في هذا الموضوع منبها الى ضرورة وقف الاشتباك الفكري الذي نحن بصدد التورط فيه. ولست هنا خائضا في تفاصيل تلك المقالات والاتجاهات الدافعة لها, وان كانت ضرورة التوضيح تستدعي الاشارة الى طرف من تلك المضامين, بقدر يكون كافيا لتحليلها واستخلاص نتائج اهم الاثار التي يمكن ان تترتب على الاستمرار في هذا النهج من الاثارة. ولاشك ان اهم مظاهر القلق التي صاحبت تلك الاثارة هو بروز نزعة غريبة على هذا المجتمع, هي متصفة بالضيق من الخلاف والاختلاف مع (الآخر) , وان كان ذلك الخلاف محدودا او محصورا في قضية او مسألة معينة, وهي النزعة ذاتها التي ادت الى تصنيف معين (غالبا ما يكون سلبيا), ومن ثم اتخاذ موقف ينسجم ــ بطبيعة الحال ــ مع ذلك التصنيف. اللا مشروع والخلل في الأولويات لايمكن الاختلاف على أهمية مسائل من قبيل امن الخليج ومسؤوليته, والوجود الاجنبي فيه, والعلاقة مع دول الجوار بالنسبة لابناء هذه المنطقة. فهي امور لها صلة بمبادىء وقضايا اساسية مثل كيان هذه الدول وسيادتها وامنها وهويتها ومصيرها ولاهمية تلك المسائل كانت محل عناية خاصة لدى المؤسسة الرسمية وغير الرسمية في هذه الدول, ومن ثم كان من الطبيعي ان يتناولها الكتاب والمثقفون وصفا ودراسة وتحليلا, وذلك في ضوء الاحداث المثيرة والمتسارعة التي تشهدها المنطقة وهي ــ بلاشك ــ مسائل في غاية الحساسية للاسباب المتقدمة وربما كانت تلك الحساسية سببا هاما في التوتر الذي اكتنف مقالات بعض الكتاب الذين اشرنا اليهم قبل قليل. ومع ذلك كله, فإنه يجب التأكيد على ان الانفعال الشديد والتوتر المصاحب له, مع آثار ذلك على الجبهة الوطنية الداخلية وتماسكها تعد اخطر من تلك المسائل المختلف عليها, وذلك بصرف النظر عن الموقف الطبيعي والمناسب تجاه تلك المسائل. ولا ريب كذلك ان اثارة تلك المسائل على النحو المثير الذي شهدناه سوف يؤدي الى تراجع قضايا وطنية ذات اولوية قصوى, خاصة في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد, وهي قضايا تفرض نفسها بقوة عند الحديث عن الاستقرار والامن والهوية الثقافية وخصوصيتها. ولسنا بحاجة الى التذكير بالخلل المفزع في التركيبة السكانية وآثارها السلبية, ثقافيا واجتماعيا وامنيا. كما انه من المهم ألا ننسى خطورة تعاظم النزعة المحلية الاقليمية ــ رغم شذوذ دعاتها ــ على حساب التوجه الوحدوي, مع التأكيد ــ في هذا السياق ــ على البعد عن الشعارات والمزايدات مثل هذه القضايا يجب ان تحظى بأهمية خاصة, ويجب كذلك ايلاؤها الاهتمام اللائق بها, ومنحها جهدا ووقتا كافيين وهناك امر آخر يجب الاشارة اليه, وهو انه لايمكن اعتبار تلك الاشتباكات الفكرية ــ والتي تورط فيها بعض كتابنا داخلا في اطار حرية الرأي والتعبير. وذلك ان التسامح بشأن ذلك الاشتباك قد يؤدي الى خلل في منظومة القيم المستقرة في هذه الثقافة. كما ان الاستمرار فيه يؤدي ايضا الى احداث تفكك اجتماعي لا تخفي خطورته, والشواهد على ذلك من البلاد العربية عديدة ومفزعة. اما الاستشهاد بالنموذج الغربي في شيوع تلك المناقشات في مجتمعاته, فهو بالتأكيد استشهاد في غير محله, ويفتقد الدقة الى حد كبير. حيث ان المقارنة في هذا السياق تتم بين مشروعين حضاريين مختلفين في المنطلقات والاهداف والوسائل. ولايعني هذا القول ــ بالضرورة ــ التهوين من المشروع الغربي في شأن الحريات, بل على العكس من ذلك, فرغم وجود العديد من التحفظات الهامة على تفلت تلك الحرية, وتسببها في كثير من الاضطرابات الاجتماعية على صعيد الاخلاق والقيم, إلا انها اسهمت في تحقيق تقدم مادي غربي لايمكن انكاره. الحوار بدل التراشق والتواصل بدل الاستئصال هل يمكن ان يكون الحوار الهادىء بديلا عن التراشق والتقاذف؟ للاجابة على هذا السؤال, يجب التأكيد على انه بصرف النظر عن التوجهات الفكرية او السياسية للاطراف المتشابكة واختلاف وجهات النظر فيما بينها حول قضايا معينة, فإنه يجب الا يستبعد خيار الحوار بين تلك الاطراف وهو امر له اعتبار عند العقلاء, لكن المشكلة تكمن في ان فئة من الناس لا ترى في مثل هذا الحوار أية نتيجة ذات قيمة, لانها تنظر الى (الآخر) بحسبانه شرا خالصا لابد من استئصاله, والمؤسف ان الفكر (الاستئصالي) العربي لم يعد قاصرا على العسكر او الانظمة البوليسية, بل تورط فيه نفر من غلاة المثقفين ومتطرفيهم, هم شذوذ في العدد, لكن اصواتهم مسموعة, وتأثيرهم كبير. من امثلة ذلك, انه منذ عدة سنوات, حيث لاح في الافق بوادر حوار قومي اسلامي, انبرت اقلام (استئصالية) لتسفه مثل ذلك الحوار, وتشن هجوما شديدا على المبدأ ذاته بل ان احدهم ــ كما يقول الاستاذ فهمي هويدي ــ ارجع فكرة اللقاء بين القوميين والاسلاميين الى اعتبارات براجماتية وتكتيكية مكشوفة. وقال ان القوميين اقاموا صلات الوصل مع الاسلاميين انطلاقا من التسليم بالادوار المرتقبة للمد الاسلامي الذي افرزته المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. ازاء ذلك تساءل صاحبنا مستغربا: هل يعقل بعد معارك الحداثة في العالم العربي منذ نهاية القرن الماضي, ان نعود لعتبة النظام المعرفي الديني, فنبني عليها قواعد السياسة واصول الفلسفة السياسية المدنية؟ وفي النهاية, تنبأ صاحبنا الكاتب بفشل الحوار: (مالم توضع كل الاسئلة موضع تفكير جماعي, عقلاني وتاريخي, وبدون مواربة, ففي السياسة لاينبغي التلاعب بالدين (بمعنى انه لا ينبغي توظيف الدين في حال السياسة, اي استدعاء الشواهد الدينية في رسم الخطط السياسية.. الى آخر ذلك الكلام الذي يردده غلاة نفاة الدين من الحياة. وقد ناقش الاستاذ فهمي هويدي في ذلك الوقت مقولات ذلك الكاتب, لكن الذي يهمنا في هذا السياق, هي التصنيفات الفكرية المتعجلة التي بدأت ترد الى ساحتنا المحلية. بالاضافة الى الموقف من مبدأ الحوار ذاته, والذي قال فيه: ولست ادري مثلا لماذا اعتبر حوار القومين مع الاسلاميين نوعا من الانتهازية, ولم ير فيه تصويبا لموقف شاذ وتصويبا لعلاقة انحرفت عن مجراها الطبيعي حيث ظل العمل الوطني والقومي على مدار تاريخه مختلطا بالانتماء الاسلامي ومنطلقا من عبادته, والشواهد على ذلك بلا حصر في عصورنا الحديثة, منذ خرجت مقاومة الفرنسيين من صحن الازهر وحتى اعلان الجهاد في حرب التحرير الجزائرية, بل اننا لا نبالغ اذا قلنا ان كل الحركات الوطنية في العالم العربي, مشرقة ومغربه, ظلت مصطبغة بالصفة الاسلامية قبل ان يستشري نفوذ النخبة المتغربة التي روجت للعلمانية, ومن ثم قسمت الامة الى معسكر احدهما وطني علماني والآخر وطني اسلامي. هذه القسمة ظلتمتحل مراجعة منذ بداية السبعينات (المرحلة التي اعقبت هزيمته يونيو 67) , وقد هدفت تلك المراجعة سواء اكانت من قبيل المفكرين الاسلاميين ام القوميين الى التأكيد على ان الالتقاء بين الاتجاهين هو الاصل وليس القطيعة والمفاصلة كما زعم صاحبنا الكاتب الذي لايرى اي خير في ذلك الحوار الذي اشرنا اليه. شواهد من الثقافة والتراث لو اردنا ان نؤصل لفكرة الحوار والتواصل ــ مع وجود الخلاف والاقرار به ــ لوجدنا في تراثنا الفكري وثقافتنا العربية الاسلامية ادلة وشواهد يصعب سردها في هذا المقام فبالاضافة الى نصوص القرآن الكريم والسنة العديدة, هنالك الكثير من روائع هذا التراث واستنباطات اهله وممارساتهم وقد عبر العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عن ذلك بأن مشروع الاعتراف بالاختلاف واحترام التعدد هو (اختراع اسلامي) ويعلق الاستاذ هويدى على ذلك بقوله: ان الاختلاف في المفهوم المعرفي الاسلامي هو سنة من سنن الله في الارض ارادها الله لحكمة قدرتها مشيئته واعتراف الاسلام بالاديان الاخرى جاء تأكيدا على احترام التعدد في الدين, الامر الذي يفتح الباب للتعدد في امور الدنيا, التي هي اهون بكثير من امور الدين. واذا كنا نشكو في هذا الزمان جفوة المعاصرين او قسوتهم عند الخلاف, فإن المرء لايستطيع كظم حزنه عندما يجد تطبيقات الثقافة الاسلامية منذ اكثر من عشرة قرون لروح التسامح, وتقريبا بين وجهات النظر, او تهوينا من شأن الخلاف او حجمه حتى في المسائل الشائكة التي كانت مثار جدل بين اولئك القوم في ذلك الزمان. واكتفي هنا بذكر شاهدين فقط, الاول اعتدت على ايراده لطلبة الجامعة عند تدريس مادة علوم القرآن والحديث عن المحكم والمتشابه في القرآن الكريم, والذي لابد فيه من ذكر قول الله تعالى: (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وآخر متشابهات, فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله, وما يعلم تأويله الا الله, والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا, وما يذكر الا اولوا الالباب) (آل عمران: 6, 7). وهذا الامر, وان كان من القضايا الجدلية التي كثر حولها النقاش لقرون طويلة, إلا اني وجدت لابن عطية الاندلسي كلاما في غاية الدقة والحكمة, وذلك بعد ان ذكر الاقوال المختلفة في شأن معرفة المتشابه والذي يهمنا في هذا السياق هو محاولته التوفيقية بين تلك الاقوال, والتي بدأها بقولها: وهذه المسألة اذا تؤملت فرب الخلاف فيها من الاتفاق.. ثم شرع في بيان المتشابه الذي يقصر علمه على الله, وذلك الذي يعلمه الراسخون في العلم, اما الشاهد الآخر فهو من مجلس العلم في العصر العباسي, وقد اورد د. الاستاذ فهمي هويدي عندما كتب مقاله يصف فيها جنازة المرحوم احمد بهاء الدين, وذلك من حيث الفئات التي شاركت في تلك الجنازة من قوميين وناصرين واسلاميين وماركسيين ووطنيين مستقلين ومسلمين واقباط.. الخ. وقد ذكره ذلك المشهد بذلك المجلس العباسي الذي يقول فيه خلف بن المثنى, وهو من اهل الفصاحة والبلاغة في زمانة: لقد شهدنا عشرة في البصرة, يجتمعون في مجلس لايعرف مثلهم في الدنيا علما ونباهة هم: الخليل بن احمد صاحب النحو (وهو سني), والحميري الشاعر (وهو شيعي), وصالح بن عبدالقدوس (وهو زنديق ثنوي), وسفيان بن مجاشع (وهو من الخوارج الصفرية), وبشار بن برد (وهو شعوبي خليع ماجن), وحماد عجرد (وهو زنديق شعوبي), وابن رأس الجالوت الشاعر (وهو يهودي), وابن نظير المتكلم (وهو نصراني), وعمر بن المؤيد (وهو مجوسي), وابن سنان الحراني الشاعر (وهو من الصائبة) ــ كانوا يجتمعون فيتناشدون الاشعار ويتناقلون الاخبار, ويتحدثون في جو من المودة والالفة, حتى لايكاد يخطر على بال الرائي ان بين اولئك المتحلقين ذلك الاختلاف الشديد في دياناتهم ومذاهبهم. بعد فراغي من قراءة هذا الخبر تساءلت وقلت: هل يمكن ان تكون هذه الشواهد التي كانت حاضرة في المجتمع العربي الاسلامي قبل اكثر من عشرة قرون مثالا مفيدا لاهل زماننا, ام ان هذه الشواهد غائبة عنهم, فليس لنا ان نقول: ياليت قومي يعلمون.

تعليقات

تعليقات