مع الناس: بقلم - عبدالحميد أحمد

لن يعرف أهمية الجنوب بالنسبة إلى لبنان الا من يزور هذا الجنوب ولو زيارة خاطفة, فيرى على امتداد البصر الاراضي الزراعية الخضراء والمرتفعات والهضاب, فيعرف لا جمال المنطقة وحده ونعومة هوائها وعذوبة طقسها, بل ايضا ثروته الزراعية الغنية من موالح وحمضيات وموز إلى الخضروات بأنواعها, فهو حديقة لبنان ومستودع ثمرها . هناك طبعا المياه من الامطار والانهار, التي تشكل وحدها مصدر طمع أكيد لاسرائيل التي تبحث عن قطرة منها ولو في صخر صلد, فإذا اضفنا لما سبق الموقع والجغرافيا, من ناحية القرب من بيروت العاصمة وسهولة التنقل في تضاريس طبيعية مريحة, حيث الطريق منها إلى صيدا اقل من نصف ساعة وإلى صور اقل من ساعة, وحيث هضابها قليلة الارتفاع, فانها بذلك تشكل اغراء ما بعده اغراء, بالنسبة لدولة تقوم على التمدد كاسرائيل, فيصبح عندها الجنوب قضية حياة أو موت. وبدأنا بأهمية الجنوب إلى لبنان ونكاد ننتهي بأهميته لاسرائيل, التي تحتل اجزاء منه مباشرة باسم الحزام الامني, وغير مباشرة حيث تخضعه لمدفعيتها وسطوة طيرانها, فنصل إلى نتيجة ان هذا الجنوب كان يمكن ان ينتهي اسرائيليا, من الناحية العملية, حين تنتشر فيه مستوطنات على غرار تلك التي قضمت الاراضي الفلسطينية وتمددت فيها كالسرطان, لولا ان هذا الجنوب عرف معنى الصمود, لا من خلال الشعارات والخطب, بل بمعنى الصمود الحقيقي, اي البقاء في الارض, ورعايتها وتعميرها ورفض مغادرتها تحت اي ظرف كان. وربما بهذا المعنى يصبح معنى المقاومة شاملا, فهذه ليست العمليات الفدائية والعسكرية وحدها ضد قوات الاحتلال والمتعاملين معه من الخونة المحليين, بل هي التشبث بالارض والبقاء فيها, لا مع ظروف الاحتلال وحده, بل مع ظروف الفقر والمعاناة, ومع ذلك تعميرها وزراعتها والعمل فيها, فتبقى عامرة بالحياة والنشاط والعمران, فلا تدعي اسرائيل انها اراض خالية. وتصورت وانا ازور بلدة قانا الجليل في الذكرى الثانية لمذبحتها الحزينة ضمن وفود اعلامية عربية الاسبوع الماضي وهي بلدة عامرة بسكانها المسلمين والمسيحيين معا, حيث كان ضحايا المذبحة من الطائفتين, ان هذه البلدة وغيرها من البلدات والقرى, كان يمكن ان تنتهي كلها مستعمرات أو مستوطنات اسرائيلية لو ان اهلها هجروها إلى أماكن الامن, بعيدا عن القصف الاسرائيلي بالمدافع حينا والطائرات حينا آخر, وبعيدا عن خطر التهديد شبه اليومي بالاجتياح المباشر. غير ان أماكن الامن في بلد صغير مثل لبنان قدره انه يجاور بلدا مسلحا حتى الاسنان كاسرائيل يصبح خرافة, فذراع هذه تستطيع ان تطال العاصمة نفسها في اي وقت سواء بصواريخها أو مقاتلاتها أو من جهة البحر, كما تستطيع ان تتجاوز العاصمة إلى ما ابعد عنها, فيضيف ذلك عاملا آخر مهما لصمود الجنوب وبقاء أهله حيث هم صامدون, فدبابات اسرائيل لو كانت في الجنوب كله فذلك يعني عمليا سقوط العاصمة والسيطرة على البلد كله, نظرا لقصر المسافات كما يعني الاحتلال المباشر على الارض. هذا الاحتلال المباشر لم تتمكن منه اسرائيل على الرغم من اجتياحها لبنان عام 82 وعلى الرغم من قصفها شبه اليومي لمناطق في الجنوب وارتكابها الجرائم في حق السكان من تهديم المنازل إلى سفك دماء الابرياء, ذلك لأنها ادركت ان البقاء في الجنوب اصعب من احتلاله واكثر كلفة واكبر فداحة مما يمكن ان تحققه من مكاسب, فعمليات المقاومة من ناحية تشكل نزيفا مستمرا لها ولعملائها ولا تترك لها مجالا لالتقاط الانفاس, كما ان صمود الاهالي في قراهم وبلداتهم من ناحية اخرى افشل مخططات الاحتلال والسيطرة فكان ذراعا اساسيا للمقاومة, لذلك تعرض اسرائيل اليوم موافقتها على الانسحاب من جنوب لبنان ما يمكن اعتباره هزيمة لها ونصراً لهذا الجنوب الصامد.

تعليقات

تعليقات