واقع جديد وعقلية قديمة! بقلم- عمران سلمان

تواجه منظمات حقوق الانسان, مثل منظمة العفو الدولية وهيومن ووتش رايتس الامريكية وغيرها معضلة حقيقية في التعامل مع قضايا الارهاب وأعمال العنف . فهذه المنظمات صمم عملها حتى الآن على اساس الدفاع عن سجناء الرأي والضمير وضحايا التعذيب. وهي استطاعت ان تحوز مكانة مميزة ومحترمة على هذا الصعيد, بفضل الحملات الناجحة التي شنتها في السبعينات والثمانينات في عدد من مناطق العالم. لكنها اليوم تواجه ظروفاً جديدة كلياً, مع بروز ظاهرة الارهاب واتساع الاعمال الموجهة ضد المدنيين والابرياء العزل, من جانب المجموعات الارهابية, كما يحدث في الجزائر ومصر ومناطق اخرى. وهي بدلاً من أن تكيف ظروفها مع هذه المستجدات, وتعدل من مفاهيمها وطرائق عملها, وتسعى الى فهم افضل لهذه الظاهرة وللمشاكل الناتجة عنها, بدلاً من ذلك راحت تتعامل بنفس العقلية السابقة وتطبق نفس الاساليب القديمة, على واقع جديد مختلف كلياً. واحياناً تلجأ الى لي عنق الحقائق واصطناع واقع لا وجود له, كي يأتي مطابقاً لما تريده ولمجرد الاستمرار في عملها. فهي تسمي المجموعات الارهابية المسلحة التي تقتل وتذبح الاطفال والنساء وتفجر السيارات في الشوارع, بالمعارضين السياسيين. وهي تدافع عن هؤلاء حينما يسقطون في قبضة رجال الأمن, وبالطبع هي قلما تلتفت الى حقوق القتلى وضحايا هذه الاعمال والمتضررين منها, او تعير الانتباه الى الآثار الكارثية الناتجة عن اعمال الارهاب. اما المعضلة الاخرى التي تواجه هذه المنظمات, فهي ان اعمال الارهاب لم تعد في الواقع محصورة بين مجموعات من المسلحين وبين اجهزة الامن. وانما غدت مقاومة الارهاب من مسؤولية الدول بمختلف أجهزتها ومؤسساتها العسكرية والسياسية. وهذا يعني ان منظمات حقوق الانسان, قد اصبحت في مواجهة دول وأنظمة بكاملها, وليس اجهزة أمنية وسياسية فحسب. هنا تطورت المشكلة, ودخلت مجالات جديدة, لم تكن موجودة في السابق, في حين وجدت تلك المنظمات نفسها تغوص أكثر في رمال متحركة, وتتورط في قضايا تعتبر بعيدة تماماً عن اهتماماتها ووظائفها الاصلية, مثل قضايا السيادة الوطنية والتدخل في الشؤون الداخلية والتأثير على السياسات الداخلية والخارجية لدول وهلمجرا. وبالطبع ضمن هذه الوضعية, اصبح النظر الى تلك المنظمات من طرف العديد من دول العالم الثالث تحديداً, محاطاً بالشك والريبة والرغبة في التصادم احياناً. وثمة مخاوف حقيقية اليوم من ان تستغل بعض منظمات حقوق الانسان, في مجرى الصراع بين الدول والاجهزة المختلفة في العالم, او تصبح طرفاً فيه بشكل او بآخر. وهناك الكثير من المعلومات التي تتدفق حالياً على هذه المنظمات, والتي تفوق قدرتها احياناً التحليل والغربلة, انما تتم بصورة مقصودة للتأثير على هذه الدولة او تلك. اننا لا نشك في الواقع في وجود الكثير من الاشخاص المخلصين في هذه المنظمات, لمبادىء حقوق الانسان, والمدافعين عنها بنزاهة وشرف. لكن المشكلة هي في حجم التعقيد والتشابك والظروف الجديدة المحيطة بعملها, واذا لم تتدارك هذه المنظمات اوضاعها الحالية, فانها ستجد نفسها تتورط أكثر فأكثر في مشاكل الدولة والخلافات فيما بينها. وبحيث تصبح لديها رؤية منشق صيني, بين مليار من البشر اسهل من رؤية مليون طفل عراقي يموتون بسبب الحصار الظالم على العراق. وهذا يعتبر خسارة حقيقية لمنظمات حقوق الانسان, التي يفترض ان تكون بعيدة تماماً عن مصالح الدول, ولصيقة بمشاكل البشر والضعفاء منهم تحديداًً. كاتب بحريني*

تعليقات

تعليقات