أكاليل النصر الشرقية على جبين توني بلير: بقلم - ميشال جوبير

بالامس اتصلت بي محطة بي. بي. سي بالهاتف في بيتي وتوقعت بالطبع ان تدور اسئلتها حول انطباعاتي بشأن مبادرات توني بلير في الشرق الاوسط ولذلك اعددت اجوبتي كالتالي: (انها مبادرات جريئة, لاتخلو من دهاء, تتحرك من مساحات مكبوتة بعيدة عن البوح وهي بالتالي جديرة بان نتمنى لها كل التوفيق) . هذا ما استعددت لقوله, ولكن الـ بي. بي. سي ارادت جري الى موضع دولي اخر, هو الاجتماعات الاسرائيلية الفلسطينية المبرمجة ليوم 4 مايو المقبل, فقد اعلن توني بلير في غزة انه يدعو للقاء لندن وتحت اشراف امريكي, ثم وضع هذا المقترح في خانة المشروعات المؤمل نجاحها فأحاطها بالكتمان وقلة التعليقات والحقيقة الساطعة الوحيدة هي ان ذلك اللقاء رفع الاعداد له بكل جدية بين البريطانيين والامريكان.. ولم يتسرب اي خبر لأي طرف ثالث. حرمان من العشاء ما زلنا نذكر ان وزير الخارجية البريطاني روبن كوك عوقب بحرمانه من عشاء مع بنيامين نتانياهو وكان كوك يتصرف كممثل للاتحاد الاوروبي والسبب انه تردد كثيرا على الفلسطينيين اثناء زيارته. وهو حادث عادي اذا ما قارناه بالاستفزاز الذي تعرض له الرئيس الفرنسي جاك شيراك اثناء زيارته المشهودة للقدس. اما توني بلير فلم يعرض نفسه لمثل هذه السلوكيات وتمتم بكلمات غير مفهومة, ولكنها تكشف عن شخصية محبوبة كانت الوسيط الاول في المأساة الايرلندية. واجتهد بلير في اخفاء ذلك النجاح حتى لا يحرج نتانياهو الشديد الحساسية. وقد اشارت الصحافة الاسرائيلية الى ان (القضية الايرلندية لا تتضمن اي تخل عن الارض!) . تحكيم أمبريالي ولكن لنتغلغل في صميم المسألة, أي لنذهب الى واشنطن, حيث اعلن فريق الرئيس كلينتون ان هذا الاخير سيكون حازما هذه المرة وسيقرع اجراس نهاية المسار السلمي في الشرق الاوسط, وهو ما معناه ان نتانياهو وياسر عرفات من واجبهما ان يقولا نعم للمخطط الامريكي. والا فالويل والثبور وعظائم الامور! ولكن هل هناك بالفعل مخطط امريكي لحل الازمة؟ فالسيدة النشيطة مادلين اولبرايت تخشى ان يشار اليها بالبنان في حالة الفشل. وهي تعرف رئيسها كلينتون فالادارة الامريكية يبدو أنها تسعى الى تحكيم امبريالي تحتاج اليه واشنطن بعد حولين من التذبذب والتردد لتفرض قوتها في العالم العربي. وكان نجاح كوفي عنان في ايقاف العدوان على العراق احد عناصر ذلك التذبذب وذلك التردد. لا يكفي ان تنتصر اسرائيل في الحروب وهناك عدة دلائل على عودة التحكيم الامريكي بقوة: ولنبدأ بالجولة التي قام بها وزير الدفاع الامريكي وليام كوهين, فقد حث سوريا ولبنان على تأييد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان وهي مبادرة تعتبرها واشنطن ذات اهمية قصوى, ولم ينس ان يذكر زميله اسحاق مردخاي وزير الحرب الاسرائيلي في القدس بأنه لا يكفي اسرائيل ان تنتصر في الحروب بل عليها ان تكسب السلام مما يضمن لها امنا دائما. وتنتظر اسرائيل من جهة اخرى زيارة دنيس روس السفير المتجول الدائم والمخفق, وكذلك زيارة مارتن انديك مساعد وزير الخارجية.. وكلاهما مكلف بالاعداد لمفاوضات لندن. أربعة أسئلة جوهرية لنفتح هنا قوسين: ماذا تفعل اوروبا في هذه الحلبة؟ فهي مدعوة قبل كل شيء الى الامتناع عن خوض هذه المعركة, الا لتمويل بعض المشاريع مثل مطار غزة. وبالطبع فان توني بلير يمثل المجموعة الاوروبية لمدة شهرين قادمين, لكنه ليس بهذه الصفة يتحرك ويفاوض الامريكان سرا. وبدون ان يرجع الى مشورة حلفائه الاوروبيين, والكل يعرف انه ليس لاوروبا سياسة خارجية موحدة, وهو ما يثلج صدر بنيامين نتانياهو. ولنتوجه قبل لندن ببعض الاسئلة: هل وصل عرفات الى مرحلة الضغوط؟ هل استنفذت اسرائيل كل وسائل الحرب التي استعملتها في السابق؟ هل شعرت امريكا ان منزلتها لدى العالم العربي تزعزعت حتى تمارس ضغوطا على اسرائيل؟ وهل باستطاعة الشرق الاوسط البترولي مع بلوغ البرميل عشر دولارات ان يؤثر على السياسة الامريكية؟ اننا حين نقرأ تصريحات نتانياهو للصحف الغربية نزداد ايمانا بان اكاذيب واشنطن لم تعد تؤثر فيه, فهل يسعى الى تغذية يأس الفلسطينيين وبؤسهم وانعزالهم وعذابهم حتى ينالوا شرف المحارق التي صنعت تاريخ اليهود أنفسهم واعطت لكفاحهم مشروعيته؟ فهل يعرف توني بلير هذه المعادلة؟ واذا كان يعرفها بالفعل, فلتكلل اكاليل النصر الشرقية جبينه الوضاء.

تعليقات

تعليقات