لن ننجو من هذا الحال اذا اخترنا ان نتعارك: بقلم الدكتور محمد الرميحي

جاء انعقاد المؤتمر الاول لرجال الأعمال الكويتيين في الأسبوع الماضي, ليشكل في رأيي أهم الاحداث التي شهدها النصف الاول من العام الجاري في الكويت . فهذا المؤتمر هو الأول من نوعه بعد ما يقارب نصف قرن من انتاج وتوزيع عائدات النفط وشهود الاقتصاد الكويتي للحداثة الاقتصادية, فكثيرا ما نظمت غرفة التجارة والصناعة الكويتية على مدار تاريخها الطويل لقاءات ومؤتمرات عديدة تحت مسميات شتى عربية واقليمية ودولية, ولكنها لم تجد ان هناك حاجة ملحة لتوفير يومين لمناقشة الاقتصاد الكويتي من رجاله العاملين حتى عقدت المؤتمر (الأول) لرجال الأعمال الكويتيين أخيرا, وهو الأمر الذي يلفت النظر بحد ذاته ويدعو الى التفكير العميق, اذ أن اهم ما يشيراليه هذا التحول هو أن الاقتصاد الكويتي اصبح في وضع حرج, وجب معه والحال كذلك ان يتداعى للتداول والنقاش رجاله العاملون في القطاع الخاص الذي شهد بحبوحة لا يستهان بها في سنوات الوفرة دون أن يشكو هذه الشكوى المرة والتي جاءت بعد ان تعدى خط الخطر ليصل الى حافة الأزمة. لقد رأيت ان استعين في عنوان هذا المقال بحكمة اقتصادية رفعها العمال ورجال الأعمال الألمان بعد الحرب العالمية الثانية, عندما وجدوا ان بلادهم اصبحت خرابا بعد حرب مدمرة بينما هم يتنافسون على أيهما أحق بالرعاية والأولوية, حقوق العمال, أم حقوق رأس المال, سعيا الى دفع الاقتصاد الألماني الى الامام؟ فكان ان انزلقوا في نفق اقتصادي لم ينقذهم منه غير التفاهم على الأولويات, وان كانت المقارنة ليست دقيقة, فان التعبير الذي يقول ان النشاط الاقتصادي الكويتي استسلم للدعة, ونام على كتف الدولة النفطية, فخاب الاقتصاد من حيث هو انتاج وابتكار, هو قول على اطلاقه صحيح الى حد بعيد. النظريات الاقتصادية في العالم تتحدث إما عن اقتصاد متقدم او اقتصاد نام, وكل نظرية لها شروطها الموضوعية والمرنة أيضا, ولكن في أي مطبوعة او دراسة جادة للاقتصاد كثيرا ما تستثنى الدول النفطية من النظريات التقليدية للاقتصاد والشروط المحققة للنمو في مثل هذه المجتمعات, فهذه البلدان النفطية ومنها الكويت لها مواصفات موضوعية تخرجها غالبا عن النظريات التقليدية, سواء من مواصفات الدول النامية او المتقدمة اقتصاديا. ان هذه المجتمعات النفطية تحمل اقتصاديا التناقضات في المؤشرات المتعارف عليها تقليديا, فان قلنا ان بعض السمات المتعارف عليها في رصد التطور الاقتصادي تشمل اجمالي الناتج القومي, وارتفاع معدل دخل الفرد في المجتمع, والصادرات السلعية والخدمية المنظورة وغير المنظورة, وارتفاع معدلات الاستثمار, والتطور في تخصيص الايدي العاملة, والتجديد في التكنولوجيا وتقدم القطاعين التحويلي والخدمي من بين مؤشرات اخرى, لوجدنا ان الاقتصاد القائم على الريع النفطي يجاور هذه المؤشرات بعضها سلبا وبعضها إيجابا, فهناك على سبيل المثال ارتفاع في متوسط الدخل الفردي للمواطن, وهناك ضمور في تخصيص اليد العاملة أو توطين ــ ناهيك عن انتاج ــ التكنولوجيا. يثير البحث عن تطور اقتصادي مستمر وثابت في المجتمعات النفطية معضلة حقيقية, فحتى في المجتمعات المتطورة اقتصاديا استقر رأي الباحثين الاقتصاديين ان هذه المجتمعات لا تملك سرها الخاص بالتطور الاقتصادي, وهناك من النظريات في هذا المجال ما يوازي عدد المنظرين على هذا الصعيد, ولان النمو الاقتصادي لا يتحقق بمراسيم, فكذلك الاقتصاد لا يمكن اطلاقه بفرض نمط من الخارج عليه مهما كان هذا النمط ناجحا في بيئته الاصلية. ولدينا من الدراسات الكثير مما يؤيد هذه الفرضية, ففي لقاء عقدته الجمعية الاقتصادية الكويتية في اكتوبر من العام الماضي. تحدث الاقتصادي العربي صقر أحمد صقر عن انه لا توجد مدرسة اقتصادية عربية, والتاريخ الاقتصادي لم يحتفظ بأسماء كثير من المفكرين الاقتصاديين العرب (وكثير هنا للمجاملة فقط) . وعندما بدأت أعد لكتابة هذا المقال قمت باحصاء بعض الدراسات من الارشيف الاقتصادي الكويتي فوجدت نفسي أقرأ من دون مبالغة في مواد تشكل لو أراد الباحث أن يتابعها اطروحة دراسية مستفيضة, ولكن على الرغم من ان هناك دراسات اقتصادية للاقتصاد الكويتي عديدة وكثيرة, فان الباحث المدقق سرعان ما يجد ان الكثير منها ايضا متناقض الى حد الذهول, ففي دراسة نشرتها غرفة تجارة وصناعة الكويت منذ سنة تقريبا ــ الشهر السادس من العام الماضي ــ وكانت بعنوان (الوقائع والآفاق المستقبلية المتعلقة بالاستثمار الاجنبي بدولة الكويت) ذكرت الدراسة بالحرف الواحد ان احد مقومات الاقتصاد الكويتي هو (قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الصدمات والكوارث الداخلية والخارجية الى جانب اتساع السوق الكويتية) بالطبع فان الدراسة واسعة وطويلة, ولكن الملاحظة التي استوقفتني هي فكرة اتساع السوق الكويتية والقدرة على استيعاب الصدمات. وما اذا كانت هذه العوامل من منشطات استقبال الاستثمار الخارجي. الوثائق الخاصة بالدراسات الاقتصادية متوافرة وكثيرة, وكل يدلي بدلوه في هذا المقام, ولكن الافتراضات التي اريد ان اخرج بها هنا هي انه ليس بالضرورة ان تكون الدراسات التي نجح تطبيقها في مجتمعات مختلفة صالحة بالضرورة للمجتمع الكويتي او الاقتصاد النفطي, والا كنا طبقنا أحد تلك الافتراضات وكفى الله المؤمنين القتال, كما ان الافتراض الثاني هو ان الاقتصاد النفطي له مواصفات ونتائج خاصة ومختلفة عن الاقتصاد الكلاسيكي, ولكن أهم الافتراضات هي ان الاقتصاد كما هو معروف ليس له معطيات مادية خالصة فقط فهو قبل ذلك ذهنية مواتية. بعد ذلك نأتي الى واقع المجتمع الكويتي الذي يجب قراءته قراءة صحيحة, وأمامنا الآن الوثائق التي قدمت في المؤتمر الاول لرجال الأعمال الكويتيين, وعلى رأسها خطاب سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله, وخطاب رئيس مجلس ادارة غرفة التجارة والصناعة الكويتية عبد الرزاق الخالد وبعض المداخلات التي قدمها المشاركون. في تلخيص أسباب المشكلة التي يواجهها الاقتصاد الكويتي أشار سمو الشيخ سعد الى (الأحداث السياسية التي واجهتها وتواجهها الكويت والتطورات الاقتصادية التي كان من الصعب تفاديها او التحكم بها) وهذه حقيقة لا تقبل الجدل, هذه الجملة تخفي خلفها ما اصطلح على تسميته بــ (المعالجات) معالجة أزمة المناخ, معالجة آثار الحرب العراقية ـ الايرانية, معالجة أزمة المديونيات الصعبة, معالجة آثار العدوان, وان كانت المعالجة الثانية وكذلك الرابعة قد تمت في معظمها بنجاح ملحوظ, فان آثار الاولى وكذلك الثالثة مازالت ذيولها ماثلة أمامنا في شكل عسرة حادة لدى فئة من رجال الأعمال او في رفع دعاوى في ساحة المحاكم طويلة الأجل, أو ــ وهو المهم ــ في تعطيل طبقة المبادرين (الانتربرينيرز) في المجتمع الكويتي, وهم اصحاب الطاقة والمعرفة والخبرة والسن الملائمة للقيام بنشاط اقتصادي مهم وحيوي يصب في رافدة الاقتصاد الوطني,. بقاء ذيل هاتين (المعالجتين) دون معالجة جذرية, وبقاء ذيول الاثنتين الاخيرين فاقم الخلل الاقتصادي وتسلل الى الشأن السياسي ايضا الذي يراه البعض في ازمة بورصوية وربما ازمة عقارية. عبد الرزاق الخالد من جهته في كلمتي الافتتاح والختام جاء على بعض القضايا الجوهرية ومنها ان الخلل في هيكل الاقتصاد الكويتي معروف ويتمثل في (عجز الموازنة العامة للدولة, وهيمنة القطاع العام, وخلل في تركيبة العمالة والسكان) وذلك كما قال (مأزق اقتصادي تواجهه الكويت منذ مطلع هذا العقد تضيق مخارجه وتزداد ضغوطه) ولا تخلو كلمة سمو ولي العهد أو رئيس غرفة التجارة والصناعة من قناعة بأن الحلول النظرية موجودة والاجتهادات كثيرة وطرق الاصلاح كما اقترحها البعض من المتحمسين متوافرة على الورق, ولكن المشكلة هي كما قال سمو ولي العهد ( ان الابعاد السياسية والاجتماعية لهذا الاصلاح مازالت محل تباين في وجهات النظر.. فلا بد من وجود معرفة مسبقة للانعكاسات السلبية على مداخيل المواطنين) وهو امر لا يفوت رئيس الغرفة حيث يقول ( ان الابعاد السياسية والاجتماعية المترتبة على التغيير المطلوب خصوصا في مرحلة التأقلم الصعب افرزت اجتهادات متباينة بين مختلف التيارات السياسية والاجتماعية حول خطوات برامج الاصلاح واولوياتها) مفهوم التباين في وجهات النظر اجمعت عليه الكلمتان الرئيسيتان فالموضوع اذن ليس موضوع عدم وجود اجتهادات او عدم اتفاق على ان هناك مشكلة وانما الموضوع في صلبه تباين الاجتهادات في تقديم الحلول. وهنا نعود الى صلب الموضوع فتوصيف الاقتصاد الكويتي لا يخرج عن انه اقتصاد اعتمد لفترة طويلة على مصدر واحد هو النفط, واسعار النفط تتراجع فيما تشكو اغلبية من المواطنين تعمل في الدولة من تدني مستوى الكفاءة في تدريبها وتركن الى مداخيل ظرفية, وقيم انتاج تكاد تكون معدومة, ومجتمع في اغلبه ينظر الى الابداع الفني والفكري ان وجد كنوع من الفضول, مجتمع حركة الافكار والاشخاص فيه تتم ضمن اطر اشبه بالقنوات المغلقة على نفسها, مجتمع يفرض على افراده نوعا من رقابة صارمة, قليل التسامح بين فئاته الاجتماعية او اجتهاداته المختلفة, المرجعية فيه لسلطة الوصاية لا للمبادرة والمنافسة, وهي مواصفات تكاد تكون كلاسيكية للوصول الى (الركود) و (الكساد الاقتصادي) لا الحركة والتفاعل. بجانب ذلك فان الصيغة المبتغاة هي صيغة اقتصاد مبني على مشاركة السواد الاعظم من الشعب ولمصلحة هذا السواد, ولا يمكن لاي مصلح اقتصادي جاد ان يتخطى الشروط الذهنية والقيمية كالاحكام المسبقة, والدوافع للعمل والاخلاق الفردية والجماعية ونظم التربية, لانها تؤثر في سلوك كل شعب, اي خلق ذهنية مواتية لاقتصاد نشط. البعض يريد ان يحمل التفاحتين في يد واحدة, ضمان الدولة للخسارة واستئثار بالارباح, نشاط اقتصادي جيد ولكنه مقصور على فئة صغيرة من الناس, تشف في الكوارث الاقتصادية ومطالبة من جهة اخرى بانتاج ودور فاعل للقطاع الخاص, خصخصة دون منافسة ودون تشغيل للكوادر الوطنية, يد عاملة خارجية رخيصة واهمال في تدريب اليد العاملة المحلية, فرض رسوم وعدم فرض ضرائب على الارباح, وهي قضايا بطبعها متناقضة ومتعارضة وهي التي تشكل ما اشار اليه ولي العهد ورئيس الغرفة في كلمتيهما بــ (التباين في وجهات النظر) عند المقترحين للاصلاح الاقتصادي في الكويت. لفت نظري ما اورده رجل الاعمال محمد الشارخ من ارقام ــ ان كانت صحيحة ــ فلدى القطاع الخاص الكويتي ـ كما قال ــ سبعة مليارات دينار على شكل ودائع, وثلاثون مليار دينار عبارة عن استثمارات بالخارج, وهو رقم يصلح قاطرة حقيقية لنشاط اقتصادي متحرك وفاعل. من الواضح انه لا توجد وصفة سحرية لتحريك الاقتصاد الكويتي وتفعيله, لاسباب كثيرة منها خصوصية هذا الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط, ومنها الزمن الطويل الذي ركن اليه الناس بالاعتماد على الدولة, ومنها الوضع الاداري والروتيني, ومنها النقص الحاد في الكوادر لضعف تاريخي في تطوير التعليم والتدريب وتوجيهه من بين امور اخرى عديدة, ومع ذلك فان السلبية الاكثر فداحة هي الوقوف دون حركة او فعل اعتمادا على ما اعتمد عليه في السابق وهو ارتفاع في اسعار النفط, يظهر للكثيرين ان اسعار النفط في هذا المنعطف التاريخي لن تكرر فعلها السابق بالارتفاع وان ارتفعت فهو ارتفاع طفيف, ولقد تم الاستثمار في الكويت في الرجال وفي البنية التحتية, بينما الشعوب الحية لا تركن الى الماضي غافلة عن المستقبل, لهذا فان المؤتمر الاول لرجال الاعمال الكويتيين يجب ان تؤخذ توصياته كما هي, فكرته بالجدية الكاملة, وضع برنامج زمني ولو على مراحل لتقديم الحلول الهيكلية المراد اصلاحها, والبدء بما هو ممكن ومتفقة عليه الاغلبية, والتوليفة الحقة هو ان يتعاون الجميع لانتشال الاقتصاد الكويتي من مستقبل راكد وكاسد, فانجازات الشعوب كما علمنا التاريخ هي في الاستجابة للتحديات, وما هو اكثر من التحدي ان كان البقاء ذاته, وحيث ان الكلمة المفتاح في هذه الندوة العتيدة, كانت هي (التباين في وجهات النظر) فإن الكلمة المفتاح المرغوبة لتقديم الحلول هنا هي (التعاون) واقصد هنا التعاون بين السلطات المختلفة لتحقيق حد ادنى من تحرير الاقتصاد الكويتي, ولن نستفيد شيئا كما لم يستفد العمال واصحاب العمل الألمان عندما اختاروا العراك لفترة, فنتيجته كانت هي الخسران.

تعليقات

تعليقات