مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

لا احد يعرف على وجه الدقة ان كانت اسرائيل جادة في موضوع القرار 425 الخاص بانسحابها من الجنوب اللبناني, ام انها تناور كعادتها فيرى في مبادرتها كمينا مفخخا للايقاع بلبنان أو سوريا, أو بكليهما, وان كان الواضح حتى الان ان لبنان الرسمي والشعبي, والذي بادر إلى رفض الفكرة رفضا قاطعا, يصنف نفسه في فئة الذين يرونها كمينا فلا يتردد في اعلان خوفه منها ورفضه لها ومبررات هذا الرفض ايضا . وبما ان لبنان بقضه وقضيضه لا شغل لديه هذه الايام سوى حديث القرار 425 والمبادرة الاسرائيلية بالدرجة الاولى, وخلافة الرئيس الهراوي بالدرجة الثانية, ومع لبنان سوريا ومصر وغيرهما من دول معنية بالسلام, فان اسرائىل نجحت فعلا في اشغال هذه الدول ولأول مرة بمبادرة من عندها, بعيدا تماما عن سياق مفاوضات السلام التقليدية حتى الان, اي السلام مع الفلسطينيين والسوريين, وذلك باعطاء الورقة اللبنانية أولوية ان صحت التسمية, حتى على حساب المفاوضات مع الفلسطينيين. طبعا هذا النجاح الاسرائيلي في طرح المبادرة له ما يبرره, سواء لجهة التأييد الامريكي له, يكشف عن ذلك انه يأتي في اعقاب زيارة كوفي عنان للمنطقة الذي حمل كما قالت الاخبار وقتئذ تصورات مادلين اولبرايت, أو لجهة ضغط الرأي العام الاسرائيلي في الداخل الذي يرى ان الانسحاب خير وسيلة لاسرائيل لوقف النزيف في قتلاها, ما يعد نجاحا باهرا وانتصارا ساحقا لا مثيل له للمقاومة الوطنية اللبنانية, مما سنعود اليه ربما في زاوية مقبلة, ما يجعل المبادرة كلها وان حظيت بنجاح دبلوماسي اسرائيلي تخفي وراءها عجزا اسرائيليا بالمقابل عن استمرار البقاء في الجنوب لتكلفته الباهظة. وايا ما كان الدافع الاسرائيلي, فان المنطقة الان امام حديث جدي عن الانسحاب من الجنوب, وسواء كان هذا العرض يخفي ما يخفيه من اسباب خاصة واهداف مغرضة تسعى وراءها اسرائيل, كما تفهم بعض الاطراف العربية, فان اطرافا اخرى اجنبية بخاصة كفرنسا, وعربية ايضا, حريصة على عدم تفويته وافساح المجال امامه وعدم التفريط به, كاشارة فرنسا إلى لبنان بعدم اهمال المبادرة. وواضح ان حجر المبادرة الاسرائيلية أو بالاحرى عرضها بالانسحاب واستعدادها لتنفيذ القرار 425 حرك بحيرة التسوية الراكدة منذ اكثر من عام على اكثر من صعيد, فهناك زيارة مفاجئة للرئيس المصري إلى سوريا لبحث هذه المبادرة سبقت زيارة لنتانياهو إلى مصر متوقعة غدا الثلاثاء, كما ان هناك جولة يستعد لها دنيس روس مقابل فريق عمل سياسي شكله الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان لبحث آليات تنفيذ القرار في حال انسحاب اسرائيل, والمنطقة مرشحة لمزيد من التحرك في هذا الاطار لنشهد صيفا ساخنا سياسيا, نرجو الا يتحول إلى صيف ساخن عسكريا لتمرير المبادرة بمنطق القوة عند فشل منطق التحرك السياسي. طبعا لبنان الوحيد الذي يرفض المبادرة على حق لأنها مشروطة بوقف المقاومة حتى قبل الانسحاب وبدمج الجيش الجنوبي العميل في جيش لبنان والانسحاب على مراحل, ما يشكل مخالفة للقرار 425, كما يرى فيها استدراجا إلى التفاوض الثنائي فيما المفاوضات ينبغي ان تتم مع الامم المتحدة بغرض تحقيق هدف الانسحاب حسب القرار, ما نفهم ان الرفض اللبناني يقوم على مجموعة عوامل سياسية وقانونية معا, فيكون محقا فيها. غير ان الحق ليس دائما هو الذي ينتصر ويتحقق, ولبنان نفسه الرسمي تحديدا يجد نفسه في موقف محرج, فمن ناحية هناك اسرائيل تعرض الانسحاب من الجنوب كما هو ظاهر من مبادرتها, فيما لبنان يرفض هذا الانسحاب, كما هو ظاهر مرة اخرى من رفضه, وسوف يزداد هذا الموقف حرجا اذا تدحرجت المبادرة الاسرائيلية ووجدت من ينضم اليها فتكون ككرة ثلج تكبر, وعندها سيجد من يرفض المبادرة نفسه وحيدا وربما ملوما لانه الذي ضيع في الصيف اللبن!

تعليقات

تعليقات