ظاهرة تيتانيك.. والعولمة .. واعلام (التيك آواي): بقلم - مصطفى عبدالرازق

الناس نوعان: نوع شاهد تيتانيك وآخر سوف يشاهده. فأي نوع أنت ؟ بهذه العبارة راحت احدى الصحف العربية تعلن عن فيلم تيتانيك الذي يعتبره الكثيرون افضل الأفلام في تاريخ السينما على الاطلاق. اما احد النقاد العرب فقد راح يقدم للفيلم بقوله: قد يهون العمر الا ساعة وتهون الارض الا موضعا وتهون كل الأفلام الا تيتانيك. لقد تحول فيلم تيتانيك الى ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ السينما العالمية تفرض علينا التساؤل حول ابعاد هذا الاهتمام. بداية لا يدعي كاتب هذه السطور اي معرفة بالقواعد الفنية لنقد الافلام السينمائية وإنما يدرج نفسه كمشاهد عادي يحاول ان يستمتع بالجميل من فن السينما, وانطلاقاً من هذه الخلفية فقد بدا مثيراً للتساؤل تعدد المظاهر التي اشارت الى الاهتمام بالفيلم بشكل لم ينله اي فيلم سينمائي من قبل. على المستوى الشخصي بدا الهوس بالفيلم في الرغبة المحمومة لدى احد الاصدقاء, الذي لم يذهب الى السينما على الاطلاق رغم تجاوزه الثامنة والثلاثين من العمر, لمشاهدة تيتانيك وكانت تلك المرة الاولى التي تطأ فيها قدماه أبواب السينما والسبب تيتانيك! وكذا في ذلك الصديق الذي تصادف ان شاهد عرضاً لفيلم تيتانيك آخر عرضته احدى القنوات منذ ايام فجاء والسعادة تغمره بمشاهدة الفيلم الذي يتحدث عنه العالم وراح يشيد بالاخراج والصوت والقصة مؤكداً ان الفيلم يستحق عن جدارة كل هذا الاهتمام دون ان يدري ان ما شاهده ليس تيتانيك الحقيقي وانما تيتانيك الآخر (المزيف!). وتجلى الولع بالفيلم في الامارات في يافطة كامل العدد التي ظلت المعلم الأساسي لكل دور السينما التي تعرض الفيلم رغم تعددها وما زال الفيلم يعرض في عدد من دور السينما وسط اقبال كبير رغم طول فترة عرضه. ومن الامارات الى مصر في اجازة طويلة تتجاوز الشهر ولاهم لمحبي السينما الا السعي لمشاهدة فيلم تيتانيك. على المستوى الصحفي عربياً لم تخل مطبوعة تقريباً من صفحات مطولة عن الفيلم وتعددت الرؤى التي قدمت لاحداثه ومشاهده حتى يمكن القول انها تناولت كافة التفسيرات الممكنة وغير الممكنة للفيلم, وراحت احدى الدوريات تعلن في افتخار انها حصلت على انفراد.. ما هو؟ حوار مع ليونارد دي كابريو بطل الفيلم. على المستوى العالمي تجلى الهوس في مظاهر عدة كان ابرزها تلك الطالبة التي شاهدت الفيلم أكثر من 43 مرة وابدت استعدادها لمشاهدته مرات أخرى وأكد بعض المشاهدين انهم شاهدوه مرات تتجاوز المائة!! أما المظهر الابرز فيتمثل في تخطيه حاجز المليار دولار وهي المرة الاولى التي يحقق فيها فيلم سينمائي هذا الرقم الى جانب فوزه بأحدى عشرة جائزة أوسكار. وبين يوم وليلة تجاوزت شهرة (دي كابريو وكيت وينسلت) بطلة الفيلم الآفاق واصبحا مادة خصبة للاعلام فــ (دي كابريو) فتى شاعري يتمتع بحس مرهف يثير اعجاب الغير خاصة الفتيات اللاتى يحلمن بروميو جذاب مثله وهو لا يبالي بالجوائز! واصبحت قصة حياته معروفة للكافة فهو من مواليد عام 1974 وجاء اسمه على اسم الرسام ليونارد دافنشي نظرا لحب امه للوحات دافنشي, اما كيت وينلست فلم تترك وسائل الاعلام شاردة ولا واردة في حياتها الا وتناولت الحديث عنها. نعود الى سؤالنا حول ابعاد هذا الاهتمام بالفيلم لن ندخل في مناقشات سفسطائىة حول ايهما سبب (نجاح) الفيلم هل هي الدراما ام المؤثرات الخاصة ولن نحقر من شأن الفيلم كما ذهب احد النقاد ونقول انه عبارة عن حواديت الجدة العجوز من كتاب القراءة الرشيدة وفي كلمات لسنا متأثرين فيها بمناخ الحديث حول الفيلم نقول انه جيد من نواح عديدة غير انه لا يستحق ان يكون ظاهرة وان يدرج كافضل ما ابدعه الانسان في تاريخ السينما. تفسير ظاهرة فيلم تيتانيك بوجهة نظر متواضعة تأتي من كونه يمثل مظهرا من مظاهر العولمة ورغم انه لايوجد حتى الان تعريف جامع مانع للعولمة الا انها في ابسط معانيها انما تعبر عن السعي لتنميط سلوك البشر من خلال ايجاد عالم بدون حدود ثقافية او اعلامية او بيئية او اقتصادية وتتجلى احدى صورها حسبما يذكر البعض في النقل الفوري للعلاقات والنصوص بين ارجاء المعمورة على مدى الساعة ليس في هذا حكم على العولمة سواء بالسلب ام بالايجاب وانما هو اجتهاد لا يتجاوز نطاق محاولة التفسير. ان مظاهر العولمة عديدة سواء في المجالات الثقافية او السياسية او غيرها ويجىء تيتانيك ليضيف مظهرا من مظاهر العولمة الثقافية ويكتسب الفيلم خصوصية دوره في هذا المجال من كونه اضخم انتاج في تاريخ السينما وكان من الطبيعي ان تسعى هوليوود الى الدعاية والتسويق له بكل الوسائل الممكنه مثل تسويق اي منتج اخر سواء كان السيارات او نوعيات معينة من الطعام او حتى مساحيق الغسيل. ويعتبر الانتشار الذي لقيه فيلم تيتانيك من جانب اخر عن سطوة ثورة الاعلام التي نحياها والتي تستطيع ان تفرض الاهتمام العالمي بموضوع معين وتهميش اخر من خلال تدفق اعلامي كثيف متواصل الى ان يتحقق الهدف لتعود الامور بعد ذلك سيرتها الاولى وليس ادل على ذلك من قصة الاميرة الراحلة ديانا التي نجح الاعلام الغربي في تحويلها الى اسطورة رغم انها لم تكن تتمتع بصفات استثنائية تدرجها في هذه المنزلة حتى قضى عليها من فرط اهتمامه بها وتحولت جنازتها الى جنازة فريدة لم يسبق ان شهد التاريخ مثيلا لها من قبل وبمجرد ان ووري جثمانها التراب انتهت الاسطورة وكأن شيئا لم يكن وعاد الاعلام الغربي يبحث عن ضالته في اسطورة جديدة. واذا كانت ديانا بنت عصرها عصر ثورة الاعلام الكبرى فتيتانيك ابن عصره عصر اعلام الـ(تيك اواي) والهامبورجر والكولا والبيتزا ايضا.

تعليقات

تعليقات