مياه الشرق الأوسط بين الواقع والاحتمالات: بقلم - فايز سارة

لقد تعرضت خريطة المياه في الشرق الاوسط الى تدخلات متفاوته التأثير وبخاصة في غضون العقود الخمسة الاخيرة, والتي شهدت مشروعات مائية كبرى ادت ــ وماتزال ــ الى حدوث تغييرات مهمة وخطيرة في موضوعات المياه على تعددها, مما سيجعل لها تأثيرات كبيرة على مستقبل البشر والكيانات السياسية في المنطقة وبخاصة خلال القرن المقبل . ولعل مما يعطي هذه التدخلات بعدا خطرا في تأثيراتها, انها تتم بصورة منفردة, حيث تلجأ كل دولة للقيام بما تراه مناسبا لها من تدخلات على خريطة المياه بغض النظر عن اوضاع واحتياجات جوارها, وهي بهذا المعنى انما تمارس سياسة الامر الواقع, وغالبا, فإنها لا تلتفت الى المطالبات التي تتقدم بها الدول المجاورة, وهناك العديد من الامثلة التي سيتم تناولها. وبصفة عامة, فان التدخلات تتدرج في اطارين الاول هو اعادة تنظيم واستثمار الامكانيات المائية وبخاصة الامكانيات السطحية للمياه وفي هذا يمكن ملاحظة خطين: الخط الاول ويتمثل في القيام باجراءات ذات طابع استئثاري, بمعنى القيام بتحويل او السيطرة على مصادر مياه يتشارك فيها اطراف, وتحويلها الى صالح واحد منهم, وفي هذا يمكن ايراد امثلة عما قامت به تركيا ازاء سوريا, عندما منعت نهر قويق, خلافا لاتفاقات ثنائية من استمرار وصوله الى جوار حلب وذلك منذ بداية السبعينات, وهناك مثال آخر, وهو قيام اسرائيل بتجفيف بحيرة الحولة, وركزت ضخ المياه من بحيرة طبريا على اساس (مشروع المياه القطري) في اواسط الستينات وبذلك استأثرت بالقسم الرئيس من مياه الاردن الذي يفترض ان الاردنيين وفلسطيني الضفة الغربية شركاء فيه, وان الضخ من بحيرة طبريا كان على حسابهم. والخط الثاني في التدخل على خريطة المياه, يتمثل في اقامة السدود والبحيرات الصناعية في دول المنطقة, وبين الاهم والابرز في هذه السدود (سد اسوان العالي, والذي بني على نهر النيل في الستينات, وبفعل هذا المشروع تشكلت بحيرة ناصر الممتدة عبر الحدود المصرية ــ السودانية على مجرى النيل, وهناك (سد الفرات) الذي وضع في الاستثمار عام 1937, بعد ان بنته سوريا, وتشكلت خلفه بحيرة الاسد, والمشروع الاكبر في العراق هو (منخفض الثرثار) والذي يشكل صلة مائية بين نهري العراق الكبيرين دجلة والفرات. اما اهم المشروعات المائية في المنطقة فهو مشروع غاب التركي, وهو يتضمن اقامة واحد وعشرين سدا مائيا في منطقة (غاب) جنوب الاناضول على نهري دجلة والفرات واكبر هذه السدود (سد اناتورك) المقام على نهر الفرات والذي يمثل العمود الفقري لمشروع (غاب) وكان قد بدأ العمل فيه عام 1983, طبقا لمشروع (غاب) فإن منطقته ستكون اهم منطقة مائية في المنطقة, وهي واحدة من اهم المناطق المائية في العالم, الامر الذي سيؤهل تركيا الى لعب دور متزايد الاهمية في المنطقة سياسيا واقتصاديا من خلال السيطرة على المياه ــ التي تقوم الحكومة التركية بالتدخل في خريطتها بقوة, وثمة مشاريع تركية اخرى يجرى تنفيذها واخرى يجري التداول فيها. وهذه المشاريع مثل سابقتها لها تأثيرات كبيرة في خريطة مياه الشرق الاوسط, ومن بين هذه المشاريع (مشروع انابيب السلام) المأخوذة من مياه نهري (سيحان) و(جيحان) جنوب الاناضول, والمفترض ان يسير المشروع في خطين احدهما يجري جنوبا نحو شرق الجزيرة العربية مرورا بسوريا والاردن, ويقوم بتمرير المياه الى اسرائيل, والخط الثاني يتفرع عنه باتجاه منطقة الخليج العربي ليقدم المياه الى دول مجلس التعاون الخليجي. وليست التدخلات التركية الواسعة هي الوحيدة ذات الاهمية في تأثيرها على خريطة مياه الشرق الاوسط, اذ انه هناك الى جانبها التدخلات الاسرائيلية, وهي تدخلات واسعة تمتد في كل الاتجاهات, ففي جنوب لبنان تقوم اسرائيل بالاستيلاء على معظم مياه الجنوب عبر اقنية مخفية, لتدعم بها المشروع القطري للمياه, وهي استولت على مرتفعات الجولان السورية التي تغذي نهر الاردن بمعظم مياهه, وقامت بتجفيف بحيرة (الحولة) واحكمت سيطرتها على كامل بحيرة (طبريا) وهي الى ذلك تستجر معظم مياه نهر الاردن رغم اطلالة المملكة الاردنية على وادي النهر, ومنذ الاحتلال الاسرائيلي للضفة وقطاع غزة عام 1967, تتابع اسرائيل خطواتها للسيطرة المحكمة على المياه الجوفية في الضفة والقطاع, وهي مياه كان يستخدمها المزارعون الفلسطينيون, ولكن جرى بفعل التدخلات الاسرائيلية, تحويل معظم المياه الجوفية الى المستوطنات الاسرائيلية, وهناك شيء اهم في عمليات التدخل الاسرائيلي في خريطة مياه الشرق الاوسط, وفيها مشروع جر مياه نهر النيل عبر قناة تقطع الصحراء الشرقية وشبه جزيرة سيناء الى منطقة النقب, ليتم ارواء هذه المنطقة وتحويلها الى منطقة زراعية, لكن ثمةشكوك في احتمالات القيام بتنفيذ مثل هذا المشروع في المدى المنظور. والاطار الثاني من التدخلات في الخريطة المائية للشرق الاوسط, هو ما تمت الاشارة اليه في بند مصادر المياه, والمعنى به محاولة الحصول على مياه من مصادر غير تقليدية, وهو ما يحدث في بعض كيانات المنطقة وفي هذا خطين من التدخل: الاول وهو القيام بتحلية مياه البحر وفي هذا يبرز ما تقوم به دول مجلس التعاون الخليجي, وقد اقامت نحو تسعين محطة لتحلية المياه, وهو اكبر جهد في هذا المجال في العالم كله, والعدد الاكبر من هذه المحطات في الكويت حيث توجد 43 محطة وبعدها المملكة العربية السعودية وفيها 22 محطة, وبعدها دولة الامارات العربية المتحدة. والخط الثاني فهو اقامة مشاريع اعادة تأهيل المياه, وهذه ايضا تتم من خلال اقامة محطات تعالج المياه التي تم استثمارها سواء الاستخدام المنزلي او الاستخدام الصناعي, وفي معظم بلدان المنطقة هناك مشاريع للصرف الصحي, لكن الاقل من دول المنطقة التي اقامت معامل تكرير المياه التي سبق استخدامها, والاهم في هذه العملية كل من اسرائيل ومصر. وبصفة عامة, فان هذا الجانب من التدخلات في خريطة مياه الشرق الاوسط له اثر محدود وجزئي في النتائج وذلك لسببين الاول مثل هذا التوجه اولا, وتكاليفه العالية سواء في موضوع اقامة البنية التحتية لهذه الاعمال ثانيا, والامر الثالث هو محدودية النتائج الكمية والنوعية في اجمالي اللوحة العامة لخريطة المياه. آفاق المستقبل: ان الوقائع والتدخلات على خريطة المياه في المنطقة, تشير الى ان الافق المفتوح لقضية المياه, هو افق تناقضي ــ صراعي بين الدول والكيانات القائمة في المنطقة, خاصة في ظل ممارسات تركيا واسرائيل بصدد قضية المياه, حيث تسعى الاولى الى الاستئثار بموارد المياه, في حين تسعى الثانية لاحكام سيطرتها على الموارد المائية على نحو ما تؤكده سياستها المائية حيال جيرانها. وبطبيعة الحال, فإن وضع قضية المياه في الشرق الاوسط في افق تناقضي ــ صراعي, لن يكون من شأنه سوى تدمير المنطقة بصورة شاملة ونهائية, حيث انه لايمكن للكيانات ان تستمر, ولا الجماعات البشرية نتيجة نقص او انعدام الموارد المائية, ولهذا الامر الاساسي ــ الى جانب امور اخرى ــ فإن البحث عن آفاق مستقبلية اخرى لقضية المياه هي مسؤولية الدول والكيانات في المنطقة وفي آن معا هي مسؤولية المجتمع الدولي. وربما كان من نافل القول, ان الافق المستقبلي الممكن والمفترض هو افق التعاون الاقليمي في موضوع المياه, لكن الامر يحتاج الى تفاصيل وحيثيات لتحويله الى امر واقعي, بل وممكن, خاصة في ضوء ما اثاره من التباس النشاط التركي في موضوعين تم طرحهما خلال الاعوام الماضية, الاول فيهما (مشروع انابيب السلام) والثاني (مؤتمر المياه) الذي انعقد مؤخرا في تركيا, وكلا الموضوعين استندا الى اساس السيطرة التركية على المصادر الرئيسية للمياه في شرقي المتوسط, واصرارها على تسليع المياه جميعها, بمعنى تحويل المياه الجارية عبر الفرات ودجلة الى سلع, يجري تداولها حتى مع تلك الدول الواقعة في مجرى النهرين وهما سوريا والعراق, وكله يترافق مع رفض تركي معلن لدعوات سورية ــ عراقية مشتركة لتفاهم ثلاثي بصدد المياه. ان اسس التعاون الاقليمي في موضوع المياه, ينبغي ان تقوم وفقا لواقع جغرافي ــ تاريخي من حيث المبدأ, حيث لايمكن معالجة الموضوع دون النظر الى الاعتبارات التاريخية والجغرافية, واللجوء الى منع المياه من العبور في مجراها, بدعوى امتلاك ارض المنبع, كما ان بين الاسس التي يمكن للتعاون الاقليمي القيام عليها جملة الاتفاقيات والاحكام التي يتضمنها القانون الدولي, وفيه كثير من المعطيات التي يمكن الاستناد اليها في جعل التعاون الاقليمي امرا قائما في قضية مياه الشرق الاوسط. والاهم في الاسس العامة للتعاون الاقليمي في موضوع المياه هي رغبة الدول والكيانات في التفاهم والتعاون, الامر الذي سيفتح افاقا لا حدود لها من التعاون في موضوعات المياه, وما يتصل بها من موضوعات, وقد يقود ذلك الى حدوث تغييرات جذرية في العلاقات الاقليمية. ان الرغبة في التفاهم والتعاون امر غير متوفر حاليا لدى بعض الاطراف وبخاصة تركيا واسرائيل, لكن الحال لن يستمر على نحو ما هو عليه, ذلك ان الوقائع والتطورات ستجبر الاطراف جميعا, حتى الاكثر تشددا على التفاهم والتعاون عندما تصبح المنطقة بسبب المياه على فوهة بركان, ينتظر لحظة, وتندفع حممه لتغطي المنطقة. صحفي سوري*

تعليقات

تعليقات