أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

كيف قضيتم اجازة البارحة؟ تمهلوا جيدا قبل الاجابة. فكلنا يعلم بأن يوم الاجازة اصبح كأي يوم آخر... اللهم اننا لا نذهب للعمل فيه فقط ! منذ يومين كنا معاً, تقول لصديقك المعاتب, فيباغتك: لم نلتق منذ يومين مطلقا يا عزيزي, ثم ينعش ذاكرتك المعطوبة: لقد مضى على لقائنا الاخير اكثر من عشرة ايام! فأين ذهب فارق الايام؟ تسائل نفسك, عندها تعرف انه ذهب مع فارق العمر كله!! احد المعاهد المتخصصة في دراسة السلوكيات الانسانية يقدم هذه (الجردة) العجيبة لما قد يقوم به الانسان خلال حياة متوسطة: فبما مقداره ثمانية ايام من العمر نستغرقه في ربط الاحذية, وشهر واحد في انتظار اشارة المرور, وشهر آخر لتدوير ارقام الهواتف (لمدمني ومدمنات الثرثرة احصائية اخرى) وثلاثة اشهر لركوب المصاعد (في الدول الكبرى) وثلاثة اشهر لتنظيف الاسنان بالفرشاة, و15 شهرا في انتظار الحافلات (في المدن الكبرى) وستة اشهر من اعمارنا نقضيها في الحمام, وفي خلال عمر متوسط نقضي سنتين في قراءة الكتب, واربع سنوات في تناول الطعام وتسع سنوات لكسب الرزق, وعشر سنوات في مشاهدة التلفزيون, و20 سنة في النوم!! والآن بعد هذه (الجردة) التي قد لا تنطبق على الجميع نتساءل: هل ننظر برضا وطمأنينة, وراحة بال لكل ما نقوم به خلال يومنا من أعمال؟ بالتأكيد الاجابة ستكون نفيا, خذ مثلا: ضياع الوقت على الهاتف اكثر مما تستدعيه الضرورة (وهنا يتساوى الرجال والنساء, فلم يعد للثرثرة هوية نسائية كما كانت سابقا, خاصة بعد ان اصبح الرجال يسيرون في الطرقات, والاسواق, يحدثون انفسهم عن طريق سماعات الهاتف المحمول), كذلك اولئك الاشخاص الذين يهوون سرقة اوقات الآخرين بأنانية وحماقة غريبتين, كم تتوفر لنا من الجرأة والشجاعة لردعهم عن هذا السلوك؟ اوقات راحتنا واجازاتنا هل نقضيها كما ينبغي دون ان نقحم اوراقنا وملفاتنا, وكتبنا وهواتفنا المحمولة والكمبيوترات الشخصية, ومشاكل الخدم والاولاد, وازعاج الجيران, وواجبات الاصدقاء و... الخ. هذه كلها تنام معنا على السرير ذاته, وتلتحف الاغطية قبلنا على اسرة الراحة, ومعها نتسامر طوال الليل, وبها نحلم, وفي الصباح نوهم انفسنا, بأننا كنا نائمين, وها نحن قد صحونا, وفي الحقيقة فان العكس هو الصحيح. في مقابلة تلفزيونية, سأل المذيع زوجة رجل أعمال: ما هي اهم عيوب زوجك؟ فأجابت: انه يضع ملفاته, واوراق عمله في حقيبة السفر قبل ملابسه ومستلزماته, وفي كل مكان نذهب اليه فهو على اتصال دائم بعمله ومكتبه. الزوج اعترف قائلا: المشكلة انني اخلط كثيرا بين عملي واوقات راحتي وتلك المخصصة لعائلتي, ولا اعرف كيف اتخلص من هذا المأزق؟ واظن ان كثيرين هم هذا الرجل. يجب ان نعرف كيف نعبر هذا المأزق, فأوقات العمر لا تتبادل مع بعضها ابدا, وليس بالامكان ان تستمتع بالعمر الجميل حينما يؤذن الخريف بداية سطوته, وتتساقط اوراق العمر هباء في انتظار اشارة المرور وربط الاحذية والذهاب للعمل والعودة منه, وقضاء العمر كله في العمل. هناك حياة تهدر خارج الجدران, وقلوب ترف حولنا, وقلوب تتعالى صيحاتها في داخلنا, وهناك واجبات اكثر اهمية لابد من الالتفات اليها قبل ان يمضي قطار العمر الذي لا يعود. لنستمع لضجيج الحياة في قلوبنا فلن نندم ابدا.

تعليقات

تعليقات