مع الناس: بقلم - عبد الحميد احمد

لا أعرف إذا كان اللبناني بحاجة إلى منعشات هذه الأيام, فالجو ربيع يفتح النفس من دون حاجة إلى تدخل خارجي, وإذا كان بحاجة إليها, فنترك البحث في الأسباب التي أدت إلى تدهور حالته للمختصين, وهذه كثيرة كثرة الاذاعات أو المحطات التلفزيونية في لبنان, ونبقى مع المنعشات التي يدعونا اعلان صغير في إحدى الصحف إلى قراءة كتاب خاص فيه يحمل العنوان نفسه, أي (المنعشات) . هذا الكتاب معروض في أشهر مكتبة في شارع الحمراء هي مكتبة أنطوان, من التي يعرفها كافة المثقفين والأدباء وطلاب الجامعات وغيرهم من المهتمين, وهي مكتبة تضم من الكتب السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية ما تضم, لولا ان كتابنا المذكور تقدم عليها فيما يبدو إلى الدرجة التي استحق اعلانا في الصحف, ما يعبر مرة أخرى لا عن أهميته فحسب, بل عن شعور مؤلفه بحاجة اللبنانيين له. وأعد القارئ بشراء الكتاب, لا للاستخدام الشخصي, فالحالة ولله الحمد مستورة, ولم أصل إلى المستوى الذي ينقذني فيها كتاب ويرفع رأسي, بل لعرضه في زاوية أخرى لمعرفة ما فيه من وصفات, هذا إذا كانت قابلة للنشر, وإلا فسوف أتاجر بها على القارئ ومن يرغب في السوق السوداء. وما دمت في بعض هموم اللبنانيين أو اهتماماتهم, فقد قرأت اعلانات مبوبة في الصحف, فهذه تعكس حالة الناس واهتماماتهم أكثر من غيرها, وربما أكثر مما يفعل سائق التاكسي نفسه الذي يقلك من المطار إلى الفندق, فهذا شغله الشاغل أن (يربط معك) للمشاوير المقبلة في المدينة وخارجها, ويقدم لك بطاقة تعريف عليها من بعد اسمه الميمون خمسة أرقام على الأقل لهواتف خليوية أشك شخصيا ان الحريري نفسه يملك هذا العدد منها. هناك مثلا من يعلن طالبا كلوة (أو كلية) فئة O وآخر يريدها فئة A , مستعدا للشراء طبعا ودفع سعرها حالا لحاجته إليها, مقابل من يعرض شراء جزء من رئة من شخص طبيعي أو من شخص داخل بحالة الكوما, أي الغيبوبة, فنعرف ان تجارة قطع الغيار البشرية الأصلية ناجحة, لانه مقابل من يعرض الشراء هناك قطعا من يعرض البيع, وهي عمليات معروفة في كل الدنيا وتشهدها مستشفيات العالم كل يوم, لولا انها في لبنان يعلن عنها في الصحف على حسب نظام العرض والطلب. في الاعلانات أيضا رجل لبناني عائلته صغيرة يبحث عن عمل ناطور لدى عائلة في فيللا أو بيت مستقل, فنفهم من الشرط حاجته إلى سكن أكثر من عمل, فيما هناك من يقول للشباب (وقف تقلك ليش تحتار) ثم يعرض الراتب الشهري محددا العمر المطلوب من 18 إلى 28 سنة والمنطقة, فيكون الطلب خاصا بشباب الشمال مثلا, مقابل الذي يبحث عن موقف أو مرسى لمركب أو يخت في الأكوامارينا, فنفهم ان الناس مقامات من الاعلانات أيضا. وبما ان هذه الاعلانات لا تخلو من غرابة, كاعلان أحد مكاتب استقدام الخدامات الذي يعرض سعرا خاصا للضباط والقضاة وحدهم, فلا نفهم لماذا هذا التمييز, أكثر مما يفهمه اللبناني نفسه وكل على طريقته, فان هناك اعلانات تدل على انتشار قراءة الحظ والكف, كاعلانات الدكتور الروحاني حسن حليحل لفك السحر وكشف المندل, أو اعلانات الروحاني المشهور بتنبؤاته وأعماله الروحانية التعجيزية الذي يستقبل زبائنه الكرام يوميا في منزله, حسب الاعلان, ما جعلني أتصور في لحظة ان لبنان كله يحتاج إلى كشف المندل وفك السحر لقراءة طالعه, خاصة في ضوء ما تطرحه عليه اسرائيل هذه الأيام, أو في ضوء ما تدور فيه من حوارات حول الرئاسة المقبلة مثلا. وبدأنا بالمنعشات التي لم نفهم سرها فنختم بما يمكن أن يقدم تفسيرا لها نجده في اعلان آخر لبيع مايوهات مستوردة من أمريكا للنساء, ويعرض الاعلان مقاساتها وسعر كل مقاس, فنعرف من الاعلان ان الصيف على الأبواب, وما دام الصيف هو موسم المايوهات, فلابد للرجال, من منعشات إذن, لمقابلة الحالة العامة في البلد.

تعليقات

تعليقات